المرسوم يمهد للانتخابات…البلديات تستعيد دورها قريبا

صابر الحرشاني

جرى استكمال حلقة جديدة في مسار اعادة البلديات الى دورها الاصلي بإصدار المرسوم عدد 4 لسنة 2026 المؤرخ في 30 سبتمبر والمتعلق بالمجالس البلدية. وجاء النص في 140 فصلا موزعة على 9 عناوين، ليضع نظاما قانونيا جديدا للعمل البلدي ويطيح بمجلة الجماعات المحلية الصادرة سنة 2018، بعد أكثر من 3 سنوات على حل المجالس البلدية.

وبصدور المرسوم في الرائد الرسمي عدد 96، اكتمل الإطار التشريعي الذي تحتاجه الانتخابات البلدية من جهة تنظيم المجلس وصلاحياته وموارده وعلاقته بالسلطة المركزية.

وكانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قد أكدت سابقا أن تنظيم الانتخابات يقتضي إصدار قانون أساسي جديد للبلديات، قبل المرور إلى أمر دعوة الناخبين الصادر عن رئيس الجمهورية.

 ترتيب دور البلدية

ويقدم المرسوم تصورا جديدا للعمل البلدي، إذ يعرّف المجلس البلدي كجماعة محلية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية، مع ممارسة مهامه في إطار وحدة الدولة. ويتولى المجلس تقديم الخدمات للمواطن والتصرف في المصالح البلدية والمساهمة في التنمية والاندماج الاقتصادي والاجتماعي، مع مراعاة السياسات والخيارات الاستراتيجية للدولة.

ويحدد النص قائمة واسعة من الملفات التي تدخل في عمل المجلس، بينها التراتيب البلدية والميزانية وأمثلة التهيئة العمرانية وبرامج النظافة والعناية بالبيئة والجمالية الحضرية والمنتزهات والبرنامج البلدي للنهوض الاجتماعي، إضافة إلى المحاضن ورياض الأطفال البلدية والمقابر ومنشآت الحماية من الفيضانات، مع إقرار قاعدة مهمة تقضي بتخصيص اعتمادات من ميزانية الدولة عند نقل صلاحيات جديدة إلى المجلس.

ويفرض المرسوم 4 دورات عادية للمجلس كل سنة، خلال أشهر فيفري وماي وجويلية ونوفمبر. كما يقر جلسة تمهيدية تسبق كل دورة بشهر على الأقل، تخصص للاستماع إلى مشاغل المتساكنين وآرائهم حول الشؤون البلدية وتعريفهم بالبرامج.

وفي باب الانضباط داخل المجالس، اعتبر المرسوم 3 غيابات متتالية للعضو البلدي بمثابة استقالة مباشرة، وفق قراءة الخبير في المجال المحلي محمد الضيفي، الذي اعتبر أن النص يعيد ترتيب آليات التسيير والعلاقة بين المجالس والسلطة المركزية.

الوالي يمسك بالخيط المالي

أبرز التحولات تظهر في الجانب المالي وفي علاقة المجلس البلدي بالسلطة الجهوية. فالمرسوم الجديد يربط العمل البلدي بمخططات الدولة التنموية، ويمنح الوالي موقعا محوريا في متابعة الميزانية، بما في ذلك ممارسة رقابة مسبقة عليها، وفق ما أوضحه محمد الضيفي في قراءة للمرسوم.

ويعيد النص كذلك ترتيب منظومة تمويل البلديات من خلال مواصلة العمل بالصندوق الذي كان يعرف بصندوق دعم اللامركزية والتسوية والتعديل والتضامن بين الجماعات المحلية، مع تغيير تسميته إلى “صندوق التحويلات المالية للدولة لفائدة الجماعات المحلية”. وتضبط شروط ومعايير توزيع موارده بقرار مشترك بين وزيري الداخلية والمالية.

كما يتجه المرسوم إلى إرساء منظومة مالية ومحاسبية تدريجية، إذ حدد أجل سنة 2030 كحد أقصى لدخول الأحكام المتعلقة بالمحاسبة ذات القيد المزدوج حيز النفاذ، وسنة 2032 بالنسبة إلى المحاسبة التحليلية.

وفي تنظيم المجال الترابي، يربط النص إحداث المنطقة البلدية بمعايير تشمل عدد السكان والموارد المالية والتقسيم الإداري والتوازنات المالية للدولة والتجانس العمراني والمحيط الطبيعي وتوفر البنية الأساسية والمرافق العمومية. كما يتيح، في حالات استثنائية، تغيير اسم البلدية أو حدود منطقتها بقرار من وزير الداخلية وفقا للإجراءات التي حددها المرسوم.

ويحمل النص أيضا آليات جديدة لتسوية النزاعات، من بينها لجان للصلح تنظر في النزاعات البلدية وتحاول تسويتها وديا قبل المرور إلى القضاء في الحالات التي حددها المرسوم. كما أحدث “الجامعة الوطنية للمجالس البلدية”، التي تنخرط فيها جميع المجالس وتهدف إلى دعم التعاون والشراكة وتطوير القدرات المالية والبشرية واللوجستية للبلديات، وتعمل وفق عقد أهداف مع وزارة الداخلية.

الانتخابات تنتظر دعوة الناخبين

سياسيا، تكمن أهمية المرسوم في أنه يضع حدا للمرحلة التي ظلت فيها البلديات محكومة بترتيبات انتقالية منذ حل المجالس البلدية في مارس 2023. وقد نص المرسوم صراحة على أن أحكامه تدخل حيز النفاذ مباشرة بعد الإعلان عن النتائج النهائية لأول انتخابات بلدية تنظم إثر صدوره. وإلى ذلك الحين، تتواصل أحكام المرسوم عدد 9 لسنة 2023 المتعلق بحل المجالس البلدية.

ويعني ذلك أن صدور المرسوم وضع القاعدة القانونية التي ستعمل عليها المجالس المنتخبة المقبلة، فيما تبقى الخطوة السياسية والانتخابية الحاسمة مرتبطة بأمر دعوة الناخبين.

وهذه النقطة تحديدا كانت محل تأكيد من الناطق باسم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات محمد التليلي المنصري يوم 1 أكتوبر الجاري. فقد أفاد بأن الهيئة جاهزة للشروع في مسار الانتخابات البلدية، وأنها تنتظر صدور أمر دعوة الناخبين من رئيس الجمهورية.

وبذلك أصبحت الصورة أكثر تحديدا: المرسوم البلدي صدر، ومجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 وضعت خارج المنظومة الجديدة، والإطار القانوني للمجالس المقبلة بات محددا، فيما تواصل الهيئة الانتخابية استعدادها للعمل. أما فتح الرزنامة الانتخابية فعليا فيمر عبر أمر دعوة الناخبين.

ويكتسب عامل الوقت أهمية إضافية، إذ اعتبر الخبير محمد الضيفي أن الانتخابات البلدية قد تجرى في نهاية 2026 أو مطلع 2027، بالنظر إلى تتابع الاستحقاقات الانتخابية المبرمجة في السنوات اللاحقة. وهذا التقدير يظل مرتبطا بموعد دعوة الناخبين والرزنامة التي ستضعها هيئة الانتخابات بعد صدور الأمر.

أما على مستوى المرحلة الانتقالية، فقد أبقى المرسوم على الحدود الترابية الحالية للبلديات إلى حين تسوية وضعيتها وفقا للأحكام الجديدة. وهكذا باتت الخطوة المقبلة محددة بوضوح: قرار دعوة الناخبين، ثم انطلاق المسار الانتخابي الذي سيعيد المجالس البلدية إلى مواقعها، وفق منظومة قانونية جديدة تختلف في فلسفتها وآلياتها عن مجلة الجماعات المحلية التي حكمت التجربة السابقة.

Related posts

اليوم البنوك تفتح شبابيكها للعموم

رئيس الجمهورية: لا نيّة في تصفية الحسابات.. لكن لا تراجع عن المحاسبة

جربة : إلغاء احتفالات الغريبة لهذا الموسم