نمو بـ3.1 بالمائة في 2027.. على أي ركائز تراهن الحكومة؟

صابر الحرشاني

تستهدف الحكومة تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3.1 بالمائة سنة 2027، مقابل 2.7 بالمائة وفق التقديرات المحينة لسنة 2026، مستندة إلى ارتفاع الاستثمار وتطور أداء القطاعات المنتجة وتحسن بعض الموارد الخارجية.

ويطرح هذا الهدف أسئلة حول الفرضيات التي يقوم عليها، ومدى قدرة البرامج المعلنة على تحويل المؤشرات المنتظرة إلى إنتاج فعلي وقيمة مضافة وفرص عمل.

ومن المتوقعات المضمنة في الميزانية ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية إلى نحو 199.5 مليار دينار، مقابل 184.7 مليار دينار سنة 2026، بالتوازي مع ارتفاع الدخل الفردي إلى 16.7 ألف دينار، مقابل 15.6 ألف دينار. كما تستهدف حصر التضخم في حدود 5.2 بالمائة، مقارنة بـ5.3 بالمائة خلال السنة السابقة. وتظل هذه الأرقام تقديرات مرتبطة بفرضيات الميزان الاقتصادي، ولا تعكس في حد ذاتها نتائج محققة.

ويقوم هذا التصور أساسا على رفع الاستثمار وتوسيع مساهمة القطاعات المنتجة، مع السعي إلى تحسين مناخ الأعمال وتطوير الصادرات والتحكم في الاختلالات الخارجية. وتكمن المسألة الأساسية في مدى قدرة هذه العناصر على التفاعل فيما بينها خلال سنة واحدة، خاصة في ظل استمرار ضغوط العجز التجاري والاحتياجات الطاقية وصعوبات التمويل التي تواجه المؤسسات.

الاستثمار في صدارة فرضيات النمو

وتمنح الحكومة الاستثمار دورا محوريا في بلوغ نسبة النمو المستهدفة، إذ تتوقع ارتفاع حجمه بالأسعار الجارية إلى 32.63 مليار دينار سنة 2027، مقابل 28.60 مليار دينار سنة 2026، بما يرفع نسبته من الناتج المحلي الإجمالي إلى 16.4 بالمائة، مقابل 15.5 بالمائة. ويمثل ذلك زيادة اسمية بنحو 14.1 بالمائة، غير أن تقييم أثرها الاقتصادي يقتضي التمييز بين تطور قيمة الاستثمار بالأسعار الجارية وتطوره الحقيقي بعد احتساب تغير الأسعار.

ويفترض بلوغ هذه المستويات توفير ظروف تسمح بتوسيع الاستثمار الخاص والعام، وتيسير إنجاز المشاريع وتجاوز العوائق الإدارية والعقارية والتمويلية. وفي هذا الاتجاه، تتضمن البرامج المعلنة تبسيط الإجراءات ومراجعة التراخيص وكراسات الشروط، وتطوير الصفقات العمومية، وتحسين النفاذ إلى الأسواق، إلى جانب رقمنة الخدمات العقارية وتسوية بعض الوضعيات العالقة وتوفير رصيد عقاري موجه للاستثمار.

ويمكن لهذه الإجراءات أن تسهم في تقليص آجال إنجاز المشاريع وتيسير بعث المؤسسات وتوسيع طاقتها الإنتاجية، لكن أثرها يظل مرتبطا بمدى دخولها حيز التنفيذ وباستجابة المستثمرين لها. كما أن ارتفاع الاستثمار لا يضمن وحده زيادة مماثلة في النمو، إذ تختلف النتائج وفق طبيعة المشاريع ونسبة اندماجها في الاقتصاد المحلي وقدرتها على إنتاج السلع والخدمات وتوفير مواطن الشغل. 

وتستهدف الحكومة كذلك تعبئة استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 4.8 مليار دينار سنة 2027، مقابل 4 مليارات دينار سنة 2026. ويرتبط تحقيق هذا الهدف بقدرة تونس على استقطاب مشاريع جديدة وتوسيع الاستثمارات القائمة، إلى جانب وضوح الإطار القانوني وتوفر البنية التحتية واليد العاملة المختصة وظروف الإنتاج والتصدير. كما أن تقييم أثر هذه التدفقات يقتضي النظر إلى طبيعة الاستثمارات ومدى إسهامها في الإنتاج والتشغيل ونقل التكنولوجيا، وليس إلى قيمتها المالية وحدها.

الإنتاج وتطور أداء القطاعات

ويفترض بلوغ النمو المقدر بـ3.1 بالمائة تحسن مساهمة عدد من القطاعات المنتجة، وفي مقدمتها الصناعة والفلاحة والسياحة والخدمات والنقل، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بالتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر. ويقوم هذا التوجه على تنويع مصادر النمو وتطوير القيمة المضافة وتحسين قدرة المؤسسات على المنافسة في السوق المحلية والأسواق الخارجية.

وفي القطاع الصناعي، تتجه البرامج إلى دعم الأنشطة الواعدة وتطوير المنظومات العنقودية وربط المؤسسات الصغرى والمتوسطة بالمؤسسات الكبرى ومراكز البحث والتكوين. ويمكن لهذا المسار أن يساعد على تحسين الإنتاجية وتطوير المنتجات الموجهة للتصدير، شريطة معالجة الصعوبات المتعلقة بالتمويل والتجهيزات والمواد الأولية والنفاذ إلى الأسواق. وتظل مساهمة الصناعة في النمو مرتبطة بحجم الإنتاج الفعلي وتطور الطلب وقدرة المؤسسات على توسيع نشاطها.

أما الفلاحة، فتتوقف مساهمتها في تحقيق الأهداف الاقتصادية على تطور الإنتاج ومردودية المشاريع وقدرة القطاع على مواجهة شح المياه والتقلبات المناخية. وتتجه البرامج المعلنة إلى مساندة المشاريع ذات المردودية وتحسين اندماجها في سلاسل القيمة، بما يسمح بتثمين المنتوجات وتحسين التخزين والنقل والتسويق. غير أن نتائج هذا التوجه تظل رهينة الظروف المناخية وتوفر الموارد المائية والتمويل والتجهيزات، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في حجم الإنتاج والأسعار وحاجيات التوريد.

وتراهن الحكومة أيضا على السياحة باعتبارها مصدرا للنشاط الاقتصادي والعملة الأجنبية. وتشمل التوجهات تنويع المنتجات السياحية وتطوير السياحة الصحراوية والواحية والبيئية والثقافية والاستشفائية وسياحة المؤتمرات، إلى جانب إعداد مشاريع مندمجة في المناطق الداخلية وتحسين النفاذ الجوي إليها. ويمكن لهذه البرامج أن توسع النشاط خارج الوجهات التقليدية، لكن أثرها على نمو سنة 2027 سيظل مرتبطا بسرعة إنجاز المشاريع وقدرتها على استقطاب الزوار وتحويل الطلب السياحي إلى مداخيل محلية وفرص عمل.

ويمثل قطاع الطاقة أحد المحددات المهمة لنتائج النمو، بالنظر إلى تأثير كلفة الطاقة في الإنتاج والنقل والتوازنات الخارجية. وتتضمن البرامج المعلنة تطوير الطاقات المتجددة وتوسيع استعمال الطاقة الشمسية في السكن والصناعة والخدمات، إلى جانب مواصلة المشاريع المبرمجة في الانتقال الطاقي.

ومن شأن دخول مشاريع جديدة حيز الاستغلال أن يساهم في تقليص جزء من حاجيات التوريد وتخفيف كلفة الطاقة على المؤسسات، غير أن هذا الأثر يتوقف على حجم الإنتاج الإضافي وتوقيت تشغيل المشاريع وقدرتها على الاندماج في الشبكة الكهربائية. ويظل الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء من العناصر التي تحدد مدى سرعة انعكاس الانتقال الطاقي على كلفة الإنتاج والميزان التجاري.

وتكشف المؤشرات الواردة بشأن الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 عن استمرار الضغط التجاري، إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 8 بالمائة مقابل زيادة الواردات بنسبة 11.6 بالمائة، وتوسع العجز التجاري بنسبة 22 بالمائة ليبلغ نحو 17.85 مليار دينار. كما تراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى 71.4 بالمائة. وتبرز هذه الأرقام أن نمو الصادرات، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحسين التوازن التجاري إذا ارتفعت الواردات بوتيرة أسرع.

وفي المقابل، سجل ميزان الخدمات والتحويلات تحسنا خلال الفترة نفسها، مع ارتفاع العائدات السياحية بنسبة 5 بالمائة ونمو تحويلات التونسيين بالخارج بنسبة 5.3 بالمائة. وتساهم هذه الموارد في تغطية جانب من العجز التجاري وتوفير العملة الأجنبية، إلا أن استمرار التحسن يظل مرتبطا بأداء السياحة وتطور التحويلات والصادرات، إلى جانب الحد من تأثير العجز الطاقي.

وتتوقع الحكومة حصر عجز الحساب الجاري في حدود 3.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2027، مقابل 3.9 بالمائة سنة 2026. ويقتضي بلوغ هذا الهدف تحسنا في الموارد الخارجية وتطورا في الصادرات والخدمات، بالتوازي مع التحكم في نمو الواردات، وخاصة الواردات المرتبطة بالطاقة والمواد التي يمكن تطوير بدائل محلية تنافسية لها.

Related posts

نقابة الصحفيين تدعو لسحب المرسوم 54 أو تنقيحه بشكل استعجالي

Na Da

وزير الشؤون الاجتماعية يلتقي وزيرة الشغل والسياسات الاجتماعية الايطالية

Ra Mzi

الشركة التونسية للشحن والترصيف تتسلم معدات جديدة

Ra Mzi