في 2027: أين ستصرف اموال الميزانية؟

صابر الحرشاني

تقدر نفقات ميزانية الدولة لسنة 2027 بنحو 68.895 مليار دينار، مقابل 63.803 مليار دينار من النتائج المنتظرة لسنة 2026، أي بزيادة قدرها 5.092 مليار دينار، تعادل 8 بالمائة.

وتتصدر نفقات التأجير قائمة أبواب الإنفاق المدرجة في ميزانية 2027، باعتمادات تبلغ 27.349 مليار دينار، مقابل 25.267 مليار دينار مقدرة في قانون المالية لسنة 2026، بزيادة تناهز 8.2 بالمائة.

توزيع النفقات

وتبلغ نفقات التسيير 3.116 مليار دينار، بزيادة قدرها 6 بالمائة مقارنة بتقديرات سنة 2026، وتشمل هذه النفقات مصاريف تسيير الهياكل العمومية، إلى جانب رصد 288 مليون دينار بصفة استثنائية لخلاص ديون المؤسسات الصحية العمومية لدى الصيدلية المركزية، وهو ما يبرز تداخل الإنفاق الجاري مع معالجة الالتزامات المالية المتراكمة داخل القطاع الصحي.

أما نفقات التدخلات، فتبلغ 22.437 مليار دينار، مسجلة زيادة بنسبة 13.1 بالمائة مقارنة باعتمادات سنة 2026. ويعكس هذا الباب اتساع تدخل الدولة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية،

وفي المقابل، تبلغ نفقات التمويل، المخصصة لفوائد الدين، 7.968 مليار دينار، مقابل 7.208 مليار دينار في قانون المالية لسنة 2026. وتمثل هذه الزيادة، المقدرة بنحو 10.5 بالمائة، ضغطاً إضافياً على الموارد العمومية، إذ يتعين على الدولة توفير المبالغ اللازمة للوفاء بالتزاماتها تجاه المقرضين قبل توجيه بقية الموارد إلى مجالات أخرى.

وتكشف هذه الأرقام أن الأجور والتدخلات الاجتماعية والاقتصادية وفوائد الدين تستأثر بجزء مهم من الإنفاق، بما يجعل التوازن بين ضمان استمرارية المرافق العامة وتلبية المطالب الاجتماعية وتوسيع الاستثمار أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الميزانية الجديدة.

ميزانيات الدعم والاستثمار والتنمية

ويحتل الدعم موقعاً بارزاً ضمن مجالات الصرف في ميزانية 2027، إذ تبلغ الاعتمادات المخصصة للدعم المباشر 11.846 مليار دينار. ويستأثر دعم المحروقات والكهرباء بالنصيب الأكبر، باعتمادات تبلغ 7.090 مليار دينار، منها 3.676 مليار دينار لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز و3.414 مليار دينار لفائدة الشركة التونسية لصناعات التكرير.

وتبرز أهمية هذا المبلغ بالنظر إلى ارتباط كلفة الدعم بتقلبات أسعار المحروقات في الأسواق العالمية وسعر صرف الدولار ،و تؤدي زيادة دولار واحد في سعر برميل النفط إلى ارتفاع نفقات الدعم بنحو 172 مليون دينار، فيما تترتب عن زيادة بعشرة مليمات في سعر صرف الدولار كلفة إضافية تناهز 59 مليون دينار. ويجعل ذلك تنفيذ الاعتمادات المرصودة رهيناً، جزئياً، بتطورات الأسواق الخارجية.

وفي ما يتعلق بالمواد الأساسية، تبلغ اعتمادات الدعم 4.036 مليار دينار، مقابل 4.079 مليار دينار مقدرة لسنة 2026. وتستأثر الحبوب بالحصة الأكبر، بنحو 2.890 مليار دينار، تليها نفقات دعم الحليب بـ490 مليون دينار والزيت النباتي بـ395 مليون دينار، ثم العجين الغذائي والكسكسي بـ187 مليون دينار. كما تشمل الاعتمادات السكر والورق المدرسي. ويبلغ دعم النقل العمومي 720 مليون دينار، مقابل 700 مليون دينار سنة 2026.

وفي المجال الاجتماعي، تصل مخصصات التدخلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية إلى 5.090 مليار دينار، يوجه منها 3.768 مليار دينار إلى المجال الاجتماعي. وتشمل البرامج منحاً مالية قارة بقيمة 280 ديناراً شهرياً لنحو 395 ألف عائلة، بكلفة إجمالية مقدرة بـ1.380 مليار دينار، إلى جانب مساعدات العودة المدرسية والجامعية والمساعدات الظرفية وبرامج دعم الأطفال والعائلات محدودة الدخل.

وعلى مستوى الاستثمار، ترصد الميزانية 7.463 مليار دينار، بزيادة تناهز 7.9 بالمائة مقارنة بتقديرات قانون المالية لسنة 2026. كما تبلغ النفقات ذات الصبغة التنموية 12.530 مليار دينار، بزيادة قدرها 7.6 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة، منها 5.500 مليار دينار لنفقات التدخلات التنموية و7.030 مليار دينار للاستثمار والعمليات المالية.

وتشير هذه الاعتمادات إلى سعي الدولة إلى المحافظة على تدخلها الاجتماعي وتوسيع الإنفاق التنموي، لكن الحكم على أثرها يظل مرتبطاً بمستوى الإنجاز الفعلي، وبقدرة المشاريع المبرمجة على تحسين البنية الأساسية والخدمات العامة وتحفيز النشاط الاقتصادي فارتفاع الاعتمادات لا يعني بالضرورة تحقق النتائج المنتظرة ما لم يقترن بتنفيذ المشاريع في آجالها وحسن توظيف الموارد.

خدمة الدين تضغط على هوامش الميزانية

وتمثل خدمة الدين العمومي أحد أبرز العناصر المؤثرة في توزيع الموارد خلال سنة 2027. وتقدر المبالغ المخصصة لها بنحو 21.275 مليار دينار، مقابل 22.982 مليار دينار من النتائج المنتظرة لسنة 2026، أي بتراجع نسبته 7.4 بالمائة. وتشمل هذه الخدمة فوائد الدين وأصل المبالغ الواجب تسديدها، ولذلك ينبغي التمييز بينها وبين نفقات التمويل التي تغطي الفوائد فقط.

وتبلغ تسديدات أصل الدين 13.307 مليار دينار، مقابل 15.546 مليار دينار منتظرة لسنة 2026، في حين ترتفع فوائد الدين إلى 7.968 مليار دينار. ويبرز هذا التطور مفارقة مالية تتمثل في تراجع المبالغ المبرمجة لتسديد أصل الدين، مقابل ارتفاع كلفة الفوائد، ولا سيما فوائد الدين الداخلي التي تصل إلى 6.535 مليار دينار، مقابل 1.433 مليار دينار لفوائد الدين الخارجي.

وتشمل الالتزامات الخارجية المبرمجة لسنة 2027 أقساطاً لفائدة السوق المالية العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، وفق المبالغ والمواعيد الواردة في وثيقة الميزانية. وتؤثر هذه الالتزامات في حاجيات الدولة إلى التمويل وفي هامش تحركها لتغطية بقية النفقات.

وفي المقابل، تظل نفقات الاستثمار والتدخلات التنموية مؤشرا أساسيا لقياس قدرة الميزانية على تجاوز وظيفة تسيير المرافق وتسديد الالتزامات إلى دعم النشاط الاقتصادي وتحسين الخدمات. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في ظل تخصيص اعتمادات للأجور والتسيير والدعم، إلى جانب حاجيات القطاعات العمومية، وفي مقدمتها التربية والصحة والنقل والتجهيز.

وتظهر المعطيات أن ميزانية 2027 تجمع بين التزامات اجتماعية ومالية ثقيلة ومحاولة المحافظة على الإنفاق التنموي. غير أن التحدي الأساسي لن يكون في حجم الاعتمادات المعلنة وحده، بل في كيفية تنفيذها، وتطور الموارد المتاحة، ومدى انعكاس الإنفاق على حياة المواطنين وعلى قدرة الاقتصاد على خلق الثروة.

Related posts

المصادقة على قرض جديد لتونس بقيمة 500 مليون دينار

Rahma Khmissi

330 سباحا يشاركون في النسخة الثامنة لبطولة تونس المفتوحة للماسترز

Na Da

الرئيس قيس سعيد يعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة

Ra Mzi