بدأ دور الصين يتبلور كوسيط في الحرب على إيران، على الرغم من عدم استعداد الأولى، حتى اللحظة، للمساهمة عسكرياً في «ضمان» أي عملية سلام مستقبلية. وأتت المبادرة الصينية – الباكستانية الأخيرة بناءً على طلب من إسلام أباد المدفوعة بطموحات حول نفوذ إقليمي محتمل. بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي الذي تقوده دول إقليمية من مثل تركيا ومصر وباكستان، بهدف التوصّل إلى انهاء الحرب في المنطقة، تستعدّ الصين، بهدوء، لتقديم نفسها، مرّة جديدة، كـ«وسيط للسلام» في الشرق الأوسط. وقدّمت الصين وباكستان مبادرة جديدة لإنهاء الحرب على إيران، تركّز، بشكل رئيسي، على وقف فوري لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز. وأفاد وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، موقع «أكسيوس»، بأن الخطّة «تبلورت» خلال زيارته الأخيرة لبكين.
وكان اسحاق دار قد التقى، قبيل الإعلان عن المبادرة، بنظيره الصيني، وانغ يي، في بكين، فيما أفادت مصادر بأنه تمّت صياغة خطّة السلام بعد توجه وزير الخارجية الباكستاني، شخصياً، بطلب إلى الصين للحصول على دعمها للجهود التي تقودها بلاده لإطلاق عجلة التفاوض على إنهاء هذا الصراع. كما عقد الرئيس الباكستاني، آصف علي زرداري اجتماعات في السفارة الصينية لمناقشة الوضع الإقليمي المستمرّ.
وفي حديث إلى «سي أن أن»، قال تونغ تشاو، من «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، إن «الصين لديها كلّ الحوافز للكشف عن وساطتها الدبلوماسية، كونها تريد أن يرى العالم «تناقضاً واضحاً»، بين «الولايات المتحدة التي تعمل على توليد الاضطرابات والفوضى، وبين الصين التي تقدّم نفسها كقوة لخفض التصعيد والاستقرار والسلام»، مستدركاً بأن ما قد ترغب بكين في المساهمة به «عملياً» على الأرض، هو «مسألة أخرى».
تريد بكين، عبر وساطتها، أن يرى العالم «تناقضاً واضحاً» بين دورها ودور واشنطن عالمياً إلى ذلك، يستشعر المحللون الصينيون، في خضمّ الصراع الدائر، «جوانب إيجابية»، تُقابل التبعات الاقتصادية التي قد تعانيها بكين على المدى الطويل، لا سيما في ما يتعلّق بالأضرار التي تلحق بمصداقية واشنطن وشرعيتها على الساحة العالمية. على أن المحلّلين أنفسهم يستبعدون، حتى اللحظة، أن تقبل الصين، في إطار دورها المحتمل، كـ«ضامن» لأيّ اتفاق سلام، المساهمة بأي «أصول عسكرية» في الشرق الأوسط، في ما يتماشى مع سياستها الخارجية الرافضة للانخراط عسكرياً في أيّ صراع خارجي.
على أنّه في ظلّ غياب الضمانات الأمنية أو الدعم العسكري عن «الشراكات الصينية» مع الدول الحليفة، نجحت بكين، بالفعل، في اكتساب نوع خاص من «النفوذ» مع بلدان المنطقة من بوابة الاقتصاد. وفي هذا السياق، يشير تقرير نشرته شبكة «بي بي سي» البريطانية إلى أن الحرب التجارية التي شنّتها الولايات المتحدة على إيران، منذ ولاية ترامب الأولى، دفعت بالعديد من أصحاب الأعمال إلى البحث عن أسواق جديدة حول العالم. ونتيجة لذلك، نمت صادرات الصين إلى الشرق الأوسط، العام الماضي وحده، بسرعة تعادل ضعف سرعة نموّ صادراتها إلى بقية العالم. وفي حين أصبحت المنطقة السوق الأسرع نمواً للسيارات الكهربائية، تعدّ الصين، أيضاً، أكبر مستثمر في تحلية المياه في الشرق الأوسط. وأتاحت الاستراتيجية المشار إليها، لبكين، إقامة علاقات في مختلف أنحاء المنطقة مع حلفاء واشنطن وخصومها على حدّ سواء.
وعليه، يؤكد العديد من المراقبين أن العلاقات الصينية الاقتصادية مع دول المنطقة تجعل رغبة بكين في التوصّل إلى سلام في المنطقة يتجاوز مجرد «مصالحها النفطية» المرتبطة بإغلاق «مضيق هرمز». ورغم أن الأخير يشكّل «مصدر قلق» بالنسبة إليها، إلا أن الصين، التي تعدّ أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، تمتلك مخزوناً يكفيها لـ«أشهر قادمة». ومن هنا، تنبع رغبتها في تأدية دور صانع السلام من كون الحرب على إيران تهدّد ما يطمح إليه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بشدة، أي الاستقرار اللازم لضمان تدفق البضائع واستمرارية مشاريع بلاده الاقتصادية حول العالم.
أمّا في ما يتعلق بباكستان، فإن الأخيرة تطمح، على الأرجح، إلى كسب نفوذ أكبر في الشرق الأوسط، أو حتى التحوّل إلى «لاعب رئيس» فيه، بعد انتهاء الحرب. وفي السياق، نشرت «صحيفة جنوب الصين الصباحية» تقريراً جاء فيه أنه في حال تمكّنت «إسلام آباد من تحقيق هذا الهدف من دون أن تنجرف إلى دوامة الصراع، فبإمكانها استثمار مكانتها كصانعة سلام للاستفادة من توقيع صفقات دفاعية مع الدول الخليجية، وجذب استثمارات منها لتعزيز اقتصادها الضعيف». كما قد يساعدها ذلك في «تمويل التوسّع العسكري الباكستاني للاضطلاع بمسؤولياتها الإقليمية الجديدة المتصوَّرة، وتعزيز الردع ضدّ عدوتها التقليدية: الهند»، وتهميش دور الأخيرة عبر تعزيز مكانة إسلام آباد الخاصة لدى القوى الغربية وفي آسيا.
