تدخل تبلادنا كل موسم صيفي بمعادلة معقدة قوامها ارتفاع الطلب على مياه الشرب من جهة وتحديات مستمرة في الإنتاج والتوزيع، ما يجعل السؤال الاكثر تواترا كلما ارتفعت درجات الحرارة حول تسجيل انقطاعات في مياه الشرب من عدمها.
وقد اصبحت في السنوات الأخيرة انقطاعات مياه الشرب في عدد من الجهات ظاهرة متكررة ، وهو ما يطرح بجدية مسألة الاستعداد المسبق لتفادي نفس السيناريو خاصة و ان المعطيات الحديثة والتقارير المنشورة تكشف أن الوضع قابل للتحسن لكن بشرط اعتماد مقاربة استباقية تقوم على التخطيط والنجاعة في التنفيذ.
هشاشة التوازن بين العرض و الطلب
و تعطي المؤشرات المسجلة منذ بداية سنة 2026 فكرة واضحة عن هشاشة التوازن بين العرض والطلب، حيث وثق المرصد التونسي للمياه عشرات الانقطاعات والاضطرابات في التزويد خلال أشهر الشتاء وهي فترة يفترض أن يكون فيها الضغط ضعيفا مقارنة بالصيف.
و اعطى تسجيل مثل هذه الحالات خارج موسم الذروة الانطباع بوجود خلل هيكلي في الشبكات أو في إدارة الموارد كما أن تكرار الشكاوى من انقطاعات غير معلنة يعزز الشعور بعدم الاستقرار لدى المواطنين ويزيد من حدة التوتر الاجتماعي كلما اقترب الصيف.
ويمثل العامل المناخي بدوره عنصرا ضاغطا، حيث تعيش بلادنا منذ سنوات على وقع نقص في التساقطات وتراجع في مخزون السدود وهو ما يقلص هامش المناورة حيث اشارت بيانات رسمية نشرت خلال 2025 إلى أن نسبة امتلاء السدود ظلت – رغم تحسنات ظرفية- دون المعدلات العادية في فترات عدة وهو ما انعكس على قدرة منظومة الإنتاج على تلبية الطلب، ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف يتضاعف الاستهلاك سواء في الاستعمال المنزلي أو في القطاعات السياحية والخدماتية مما يزيد الضغط على الشبكات.
و إلى جانب محدودية الموارد تبرز مشكلة البنية التحتية كعامل حاسم في تفسير الانقطاعات. جزء مهم من شبكات نقل وتوزيع المياه في تونس يعود إلى عقود سابقة وبعضها تجاوز عمره 50 سنة، و هذا التقادم يؤدي إلى تكرر الأعطاب وتسرب كميات هامة من المياه قبل وصولها إلى المستهلكين، و قد اوردت تقارير فنية ان نحو ثلث كميات المياه تضيع داخل الشبكات وهو ما يعني أن كميات مهمة من المياه المنتجة لا يتم استغلالها فعليا و في ظل هذه المعطيات يصبح تحسين الشبكات أولوية لا تقل أهمية عن تطوير الإنتاج.
الحاجة الى مضاعفة جهود الصيانة
و تطرح مسألة الصيانة بدورها تحديا خاصا، حيث انّ العديد من الانقطاعات التي تسجل خلال السنة تكون مرتبطة بأشغال إصلاح أو تعهد بمحطات الإنتاج أو القنوات الرئيسية و هذه الأشغال ضرورية لضمان استمرارية الخدمة لكنها تتحول إلى مصدر إشكال عندما لا تتم برمجتها بشكل دقيق و بعض الحالات خلال السنوات الماضية أظهرت أن عمليات الصيانة تمت في فترات قريبة من ذروة الاستهلاك مما أدى إلى اضطرابات واسعة، و هذا يطرح مسألة التنسيق الزمني وضرورة توزيع الأشغال على مدار السنة بطريقة تقلص تأثيرها على التزويد.
في المقابل لا يمكن تجاهل المجهودات التي تبذلها الجهات المعنية لتحسين الوضع، حيث تواصل الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تنفيذ برامج صيانة دورية وتعمل على تطوير قدرات الإنتاج من خلال مشاريع تحلية مياه البحر خاصة في المناطق الساحلية والجنوبية، و اصبحت هذه المشاريع تمثل جزءا أساسيا من منظومة التزويد في بعض الجهات في ظل تراجع الموارد التقليدية، كما تم خلال السنوات الأخيرة إدخال تحسينات على بعض الشبكات وتدعيم قدرات الخزن في عدد من الجهات.
و تبين المتابعة الميدانية أيضا أن هناك تحسنا نسبيا في طريقة التعاطي مع الأزمات مقارنة بفترات سابقة و من الملاحظ انه في حالات عديدة تم إعلام المواطنين مسبقا بالانقطاعات المبرمجة وتحديد مدتها وهو ما ساهم في الحد من الاحتقان، كما أن تقسيم بعض الأشغال إلى مراحل سمح بتقليص مدة الانقطاع في كل منطقة، و هذه الخطوات تبقى مهمة لأنها تعكس توجها نحو مزيد من الشفافية والتنظيم حتى وإن كانت النتائج لا تزال دون التطلعات في بعض الجهات.
ادارة الازمة
مع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة استباقية للموسم الصيفي. التجربة أثبتت أن التحرك بعد حدوث الانقطاعات لا يحقق النتائج المرجوة خاصة عندما يكون الضغط في ذروته. المطلوب هو استغلال فترة الربيع لإنجاز أكبر قدر ممكن من أشغال الصيانة وتجديد الشبكات حتى تكون المنظومة في أفضل جاهزية عند بداية الصيف. كما أن تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين على المستوى الجهوي والمركزي يمكن أن يساهم في تسريع التدخل عند حدوث الأعطاب.
ويمثل ترشيد الاستهلاك بدوره عنصرا لا يمكن إغفاله في هذه المعادلة. الحملات التحسيسية التي يتم إطلاقها كل سنة تدعو المواطنين إلى الاقتصاد في استعمال المياه خاصة خلال فترات الذروة. رغم أن تأثير هذه الحملات يبقى محدودا في بعض الأحيان إلا أنها تظل ضرورية لتخفيف الضغط على الشبكات. تغيير السلوك الاستهلاكي يتطلب وقتا لكنه جزء من الحل خاصة في ظل محدودية الموارد.
ويضيف القطاع السياحي بعدا آخر للمسألة. خلال الصيف تستقبل تونس أعدادا هامة من الزوار وهو ما يرفع الطلب على المياه في المناطق الساحلية بشكل خاص. هذا الارتفاع الموسمي يفرض تخطيطا دقيقا لتأمين التزويد في هذه المناطق دون التأثير على بقية الجهات. بعض المشاريع التي تم إنجازها في مجال التحلية ساهمت في تحسين الوضع نسبيا لكن الحاجة تبقى قائمة لمزيد من الاستثمارات لمواكبة تطور النشاط السياحي.
من زاوية أخرى تطرح مسألة الحوكمة دورها في تحسين إدارة القطاع. تعدد المتدخلين بين مؤسسات عمومية وهياكل جهوية يفرض ضرورة تنسيق أكبر في اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع. كما أن تسريع الإجراءات الإدارية المتعلقة بإنجاز المشاريع يمكن أن يختصر الوقت ويجنب تأجيل الأشغال إلى فترات غير مناسبة. الإصلاحات في هذا المجال قد تكون لها نتائج ملموسة على المدى المتوسط.
وتوفر التجارب السابقة دروسا مهمة يمكن البناء عليها. الانقطاعات التي شهدتها عدة مناطق خلال صيف 2023 و2024 أظهرت أن غياب التنسيق وضعف التواصل مع المواطنين يزيد من حدة الأزمة. في المقابل أظهرت بعض الحالات أن الإعلام المسبق والتدخل السريع يمكن أن يحد من تأثير الانقطاع حتى وإن لم يمنعه. هذه الدروس يجب أن تتحول إلى ممارسات ثابتة ضمن استراتيجية واضحة لإدارة الموسم الصيفي.
ان التحديات المرتبطة بالمياه في تونس ليست ظرفية بل هي جزء من سياق أوسع يتصل بالتغيرات المناخية وتزايد الطلب. هذا يعني أن الحلول يجب أن تكون شاملة تجمع بين تطوير الموارد وتحسين الشبكات وتغيير السلوك الاستهلاكي. الاستثمار في التكنولوجيا مثل أنظمة المراقبة الذكية للشبكات يمكن أن يساعد على اكتشاف الأعطاب مبكرا وتقليص الفاقد. كما أن تحسين جودة البيانات المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك يمكن أن يدعم اتخاذ القرار.
وبشكل عام يبدو أن تفادي انقطاعات واسعة في مياه الشرب خلال الصيف ممكن لكنه يتطلب تضافر عدة عوامل و الجهود الحالية تمثل قاعدة مهمة يمكن البناء عليها لكنها تحتاج إلى تسريع وتكثيف حتى تحقق الأثر المطلوب. الاستعداد الجيد للموسم الصيفي لا يقتصر على توفير الكميات الكافية من المياه بل يشمل أيضا ضمان وصولها بانتظام إلى المواطنين. نجاح هذا التحدي سيكون له أثر مباشر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي خاصة في فترة يرتفع فيها النشاط في مختلف القطاعات.
