تم تقديم مبادرة برلمانية بشانها: مقترح تعزيز استعمال اللغة الإنجليزية… وخيار الضرورة

تنادي اوساط تربوية و شعبية منذ مدة بوجوب مواكبة التحولات المتسارعة في العالم حيث اضخت اللغة الانجليزية المهيمنة في كل المجالات ورغم ذلك فإن استعمالها و ان يبدو متقدما في بلادنا فإنه محدود في عدد من المجالات المهمة.

وقد ناقشت لجنة التربية في البرلمان منذ ايام قليلة مقترح قانون صاغه نواب يتعلق بتعزيز استعمال اللغة الانجليزية اهم ما جاء فيه تدريس الانجليزية من السنة الثانية من التعليم الابتدائي و تعزيز قدرات المدرسين و الجامعين بخصوص استعمالها، حيث لم تعد اللغة مجرّد وسيلة تواصل، بل تحوّلت إلى عنصر من عناصر القوة الناعمة والقدرة التنافسية للدول، فالتحولات المتسارعة في مجالات البحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المتقدمة، فرضت معايير جديدة للاندماج في منظومة الإنتاج المعرفي العالمي، وأعادت ترتيب سلّم اللغات وفق منطق النجاعة لا الانتماء التاريخي.

ضرورة التموقع في اقتصاد المعرفة

في هذا الإطار، يبدو مقترح تعزيز استعمال اللغة الإنجليزية تعبيراعن إدراك متأخر نسبيا بأن النموذج اللغوي السائد في تونس بلغ حدوده. فالتجربة التونسية، منذ الاستقلال، قامت على ازدواجية لغوية غير محسومة بين العربية والفرنسية، أفرزت منظومة تعليمية متذبذبة، وإدارة مثقلة بالترجمة، وجامعات تعاني ضعف الحضور في الفضاء العلمي الدولي. ومع صعود الإنجليزية كلغة شبه حصرية للعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي، بات هذا التذبذب أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار.

ويتمثل الدافع المركزي وراء هذا التوجه في السعي إلى تحسين موقع تونس داخل اقتصاد المعرفة، فالأغلبية الساحقة من الإنتاج العلمي العالمي تُنشر باللغة الإنجليزية، كما أن كبرى قواعد البيانات، والمجلات المصنّفة، ومشاريع البحث العابرة للحدود، تعتمدها لغة عمل أساسية. وبهذا المعنى، فإن ضعف التمكن منها لا يعني فقط صعوبة النفاذ إلى المعرفة، بل يكرّس عزلة معرفية غير معلنة، ويحدّ من قدرة الباحثين والطلبة على التفاعل والمنافسة.

وعلى صعيد الاقتصاد، يُنظر إلى تعزيز الإنجليزية كرافعة لجذب الاستثمار الأجنبي وتحسين مناخ الأعمال. فالشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الدولية، ومنصات التكنولوجيا، تعتمد الإنجليزية لغة أساسية في التواصل والتعاقد. ومن هذا المنطلق، يُقدَّم التوجه الجديد باعتباره أداة لتقليص الحواجز غير المرئية التي تعيق اندماج تونس في سلاسل القيمة العالمية. غير أن هذا الرهان يظل مشروطًا بإصلاحات أعمق تتجاوز اللغة، لتشمل الإطار القانوني، والبنية التحتية، وجودة الحوكمة.

وفي ما يتعلق بالإدارة العمومية، يكشف الربط بين التحول الرقمي وإتقان اللغة الإنجليزية عن وعي بأحد أوجه القصور البنيوي. فالأنظمة المعلوماتية، والبرمجيات، والتقنيات الحديثة تُدار في الغالب بلغة واحدة، ما يجعل ضعف الكفاءة اللغوية عائقًا أمام التحديث. غير أن تحميل الموظف العمومي وحده عبء هذا التحول، دون توفير مسارات تكوين وحوافز مهنية، قد يفضي إلى مقاومة صامتة بدل انخراط فعلي.

الحاجة الى التدرج و المراكمة

ولابدّ من الاشارة الى أن هذا الطموح يصطدم بواقع تربوي معقّد، فالانتقال نحو اعتماد أوسع للغة الإنجليزية في التعليم، خاصة في المراحل المبكرة، يطرح تحديات بيداغوجية عميقة تتعلق بتكوين المدرّسين، وملاءمة البرامج، وقدرة التلاميذ على الاستيعاب. فالتجارب المقارنة التي يُستشهد بها غالبا، مثل بعض الدول الصاعدة، لم تُبنَ على قرارات فجئية، بل على مسارات طويلة من الإصلاح التربوي والاستثمار في الموارد البشرية.

كما يثير المقترح مخاوف من إعادة إنتاج اللامساواة داخل المنظومة التعليمية، فالمدارس الخاصة والفضاءات التعليمية الميسورة تمتلك منذ سنوات أدوات التمكين اللغوي بالإنجليزية، في حين تعاني المدرسة العمومية من نقص في التجهيز والتكوين وفي غياب سياسات دعم واضحة، قد يتحول تعميم الإنجليزية إلى عامل فرز اجتماعي جديد، يعمّق الفجوة بين من يملكون اللغة ومن يُقصَون بسببها.

أما على مستوى الهوية، فإن التأكيد المتكرر على الحفاظ على اللغة العربية يكشف عن حساسية سياسية وثقافية حقيقية فاللغة العربية في تونس هي اكثر لغة رسمية، بل وعاء للانتماء والذاكرة الجماعية. غير أن هذا التأكيد يظل، في كثير من الأحيان، أقرب إلى خطاب تطميني منه إلى رؤية عملية تضمن التكامل بين اللغات بدل تنافسها. فالتجارب الدولية الناجحة لم تقم على إضعاف اللغة الوطنية، بل على تعزيزها إلى جانب لغات الانفتاح، ضمن سياسة لغوية واضحة المعالم.

ماذا عن الفرنسية؟

ويبرز في هذا السياق سؤال محوري ظلّ غائبا عن النقاش العلني حول مصير اللغة الفرنسية فهذه اللغة التي شكّلت لعقود لغة الإدارة والتعليم العالي تجد نفسها اليوم في موقع رمادي فالانتقال المباشر نحو الإنجليزية دون حسم موقع الفرنسية قد يخلق ارتباكًا إضافيًا داخل المنظومة التعليمية والإدارية، ويؤدي إلى تعدد لغوي غير منظم بدل تبسيط الخيارات.

و اللافت في المقترح أنه يسعى إلى تقنين الخيار اللغوي عبر نص قانوني، غير أن اللغة، بخلاف القطاعات التقنية، لا تستجيب بسهولة لمنطق الإلزام. فهي ممارسة اجتماعية وثقافية قبل أن تكون قرارا إداريا، وأي محاولة لفرضها دون تهيئة الشروط الموضوعية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى جودة التعليم أو على مستوى القبول المجتمعي.

ويخلص النواب اصحاب المبادرة الى التوق بأن يعكس النقاش حول تعزيز استعمال اللغة الإنجليزية لحظة مفصلية في مسار التفكير في مستقبل تونس و ان يتجاوز النقاش اللغة ليطال سؤال النموذج التنموي، ونوعية الاندماج في العولمة، وحدود التوفيق بين الهوية ومتطلبات العصر.

Related posts

غازي الشواشي:بمرسوم 54 انتهت حرية التعبير في تونس

Halima Souissi

الرئيس قيس سعيد يلتقي رئيس المجلس الأعلى المؤقت للقضاء

Ra Mzi

الرئيس قيس سعيد: آن الأوان لوضع حدّ للتطاول على الدولة

Ra Mzi