ازمة الهجرة غير النظامية…أين الشركاء في الحل؟

يعود ملف المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء إلى صدارة النقاش العام بسبب تنامي شعور داخلي بأن البلاد تُترك وحدها في مواجهة أزمة تتجاوز إمكانياتها وحدودها الجغرافية والسياسية.
وبين الدعوات المتصاعدة إلى الترحيل ورفض التوطين، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى نقاش أكثر واقعية حول كيفية ادارة هذا الملف دون أن تتحول بلادنا إلى منطقة عازلة للهجرة نحو أوروبا.

تحول

وخلال السنوات الأخيرة، تغير موقع تونس داخل خارطة الهجرة المتوسطية، اذ لم تعد البلاد مجرد معبر سريع نحو الضفة الشمالية، بل أصبحت نقطة استقرار مؤقت طويلة نسبيا لآلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة مع تشديد الرقابة الأوروبية على المسالك البحرية التقليدية، وتفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل الإفريقي.
ولم يكن هذا التحول نتيجة سياسة تونسية بقدر ما كان نتيجة إعادة توزيع لمسارات الهجرة داخل المتوسط، فكلما أُغلقت بوابة، فُتحت أخرى.
ومع تشديد الرقابة في ليبيا وفي بعض المسالك الغربية، ارتفع الضغط على السواحل التونسية، وتحولت مدن مثل صفاقس والعامرة وجبنيانة إلى نقاط تجمع كبرى للمهاجرين وشبكات العبور.
لكن الخطأ الذي يتكرر في مقاربة هذا الملف في الذهنية العامةهو اختزاله في بعد أمني داخلي فحسب، وكأن تونس تواجه أزمة محلية منفصلة عن السياق الدولي و الحال و ان ما يحدث يرتبط مباشرة بفشل جماعي في إدارة الهجرة والتنمية داخل الفضاء الإفريقي والمتوسطي، فالدول الأوروبية تريد وقف التدفقات البشرية قبل وصولها إلى حدودها، بينما تعجز دول المنشأ عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لشبابها، لتجد دول العبور نفسها في قلب العاصفة.

رفض التوطين

وفي هذا الإطار، يبدو الموقف التونسي الرافض للتوطين مفهوما في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
فالدولة التي تواجه نسب بطالة مرتفعة وصعوبات مالية واختلالات في الخدمات الأساسية لا يمكنها تحمل أعباء ديمغرافية إضافية مفتوحة زمنيا، كما ان رفع شعار “الترحيل” دون وجود ترتيبات دولية واضحة يجعل الأزمة تدور في حلقة مفرغة.
ومن ناحية عملية لا تستطيع أي دولة بمفردها تنفيذ عمليات إعادة واسعة ومعقدة لمهاجرين ينحدرون من عشرات الدول، بعضهم بلا وثائق، وبعضهم قادم من مناطق نزاع أو انهيار أمني.
كما أن جزءا من شبكات الهجرة والاتجار بالبشر يعمل بمنطق عابر للحدود، مستفيدا من هشاشة التنسيق بين الدول الإفريقية والمتوسطية.

نحو مقاربة متعددة الاطراف

ولذلك، فإن المدخل الحقيقي للحل لا يمكن أن يكون تونسيا صرفا، بل يجب أن يقوم على مقاربة دولية متعددة الأطراف، تشمل دول العبور والمنشأ والاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية، حيث تحتاج بلادنا فتونس اليوم إلى شراكات فعلية، لا إلى بيانات دعم ظرفية أو مساعدات مرتبطة فقط بحماية الحدود.
وأول عناصر هذه المقاربة يتمثل في تحميل أوروبا جزءا من الكلفة السياسية والمالية للأزمة، فمن غير المنطقي أن تتحول دول جنوب المتوسط إلى حزام احتواء بشري مقابل دعم محدود أو اتفاقيات أمنية ظرفية. حيث ان المطلوب هو برامج تنموية حقيقية داخل دول المصدر، واستثمارات تقلص دوافع الهجرة، إضافة إلى آليات قانونية واضحة لإعادة المهاجرين غير النظاميين بالتنسيق مع بلدانهم الأصلية.
كما تحتاج بلادنا إلى تحرك إفريقي أكثر فاعلية، فالاتحاد الإفريقي مطالب بالخروج من موقع المتفرج، عبر إنشاء آليات تنسيق دائمة حول الهجرة غير النظامية، وتسهيل التعرف على الهويات، وتسريع إجراءات العودة الطوعية، والتصدي لشبكات التهريب التي تحولت إلى اقتصاد موازٍ عابر للقارات.
وبالعودة الداخل، يعبر المواطنون على عدد من للمطالب من بينها إدارة أكثر صرامة وتنظيما للملف، خاصة عبر التفريق بين المهاجر النظامي وغير النظامي، وتفكيك شبكات الوساطة والاتجار بالبشر، ومنع تشكل مخيمات عشوائية خارجة عن الرقابة. فغياب التنظيم هو ما يغذي التوترات الاجتماعية، ويترك المجال مفتوحا أمام الإشاعات والتوظيف السياسي.
غير أن أخطر ما يمكن أن تنزلق إليه البلاد هو تحويل الأزمة إلى مواجهة مجتمعية مفتوحة أو إلى خطاب جماعي ضد كل الأفارقة جنوب الصحراء،فتونس التي ترتبط تاريخيا واقتصاديا وديبلوماسيا بعمقها الإفريقي لا يمكنها أن تدير الملف بمنطق القطيعة أو الانفعال، بل بمنطق الدولة التي تدافع عن مصالحها وسيادتها ضمن القانون والتوازنات الدولية.
و ما يمكن ان نخلص اليه ان الهجرة غير النظامية ليست أزمة تونس وحدها، ولذلك فإن تحميل تونس وحدها عبء الحل لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والفوضى، وما تحتاجه البلاد اليوم يتعدى  تشديد الرقابة على الحدود، ويمتد الى فرض معادلة سياسية جديدة عنوانها: لا حماية للمتوسط دون شراكة عادلة، ولا استقرار لدول العبور دون تحمل جماعي للمسؤولية.

Related posts

جلسة عمل مُشتركة بين وزارتي الدّاخليّة والتربية

Ra Mzi

هذه المنطقة بالجنوب التونسي تتحصل على جائزة افضل وجهة سياحية خضراء في العالم

root

النائب نبيه ثابت في ذمة الله

Na Da