اتفاق مكة ليس “ناتو إسلاميا” وعلى إسرائيل أن تجد مكانها بين دول لا تنتظرها

اعتبر تحليل إسرائيلي أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي تم التوقيع عليه يوم الجمعة 7 اوت 2026، هو مرحلة جديدة في محاولة دول في المنطقة لبناء “شبكة أمنية لا تستند بشكل حصري إلى الولايات المتحدة”. وحسب تحليل الباحث في “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، يوئيل غوجانسكي، المنشور في موقع القناة 12 الإلكتروني فإن الاتفاق بالنسبة لإسرائيل هو “تطور يجدر البحث فيه بحذر، لأن الهندسة الإقليمية حولها آخذة بالتغير، ونشأ حولها حلف عسكري جديد بين ليلة وضحاها”.

واعتبر أن البند الأبرز في الاتفاق يقضي بأن هجوما مسلحا ضد إحدى الدول التي يشملها الاتفاق سيعتبر هجوما ضد الدول الثلاث، وهو مشابه لفكرة الدفاع المشترك لحلف شمال الأطلسي (الناتو) “من الناحية الرسمية على الأقل، لكن من السابق لأوانه وصفه بأنه اتفاق ’ناتو إسلامي’”.

وأضاف غوجانسكي أن الدول الثلاث “مختلفة جدا عن بعضها، ومصالحها ليست متطابقة، ولا يوجد دليل حتى الآن على إقامة آلية قيادة مشتركة أو التزامات فعلية مشابهة لتلك التي في حلف شمال الأطلسي، كما أن الدول الثلاث نفسها تشدد على طبيعة الاتفاق الدفاعية وليس على تشكيل كتلة عسكرية جديدة”.

وتابع أنه “بالرغم من ذلك لا ينبغي التقليل من أهميته، فكل واحدة من الدول تجلب معها موردا إستراتيجيا مختلفا. السعودية تجلب قوة اقتصادية كبيرة وموارد طاقة وتأثير في العالم العربي والإسلامي؛ وتركيا تجلب معه أحد الجيوش الكبرى في المنطقة، وصناعات أمنية متطورة وخبرة عملياتية، إلى جانب عضويتها في الناتو؛ وباكستان تجلب جيشا كبيرا وخبيرا، وبالأساس مكانة خاصة كدولة إسلامية تمتلك سلاحا نوويا، والدمج بين الدول الثلاث هو الذي يجعل الاتفاق مهما بشكل خاص”.

وحسب غوجانسكي، فإن “السعودية لا تتنازل عن حلفها مع الولايات المتحدة، لكنها لم تعد مستعدة لإيداع أمنها بيدها بشكل حصري تقريبا؛ وضعف السعودية أمام الصواريخ والطائرات بدون طيار والتهديدات الإقليمية، إلى جانب انعدام اليقين المتواصل حيال الاستعداد الأميركي للتدخل في أي أزمة، يدفع المملكة إلى توسيع سلة شراكاتها. وبدلا من أن تختار بين واشنطن وبكين وأنقرة وإسلام آباد، تفضل الرياض إقامة علاقات مع جميعها وأن تقلص قدر الإمكان تعلقها بلاعب وحيد”.

وأضاف أنه “بهذا المفهوم، الحلف الجديد ليس بالضرورة خطوة ضد أميركا، وإنما هو بالدرجة الأولى خطوة سعودية لتطويق المخاطر. وفي الوقت نفسه تنقل رسالة إلى واشنطن، مفادها أنه إذا كانت واشنطن غير قادرة أو لا تريد أن تكون مزودة الأمن الحصرية للمملكة، فإن للسعودية بدائل”.

وتابع غوجانسكي أنه “تخيّم فوق الاتفاق مسألة في غاية الحساسية، وهي ما إذا كان السلاح النووي الباكستاني جزء من مظلة الردع الجديدة؟ وهذا السؤال ليس نظريا. فبعد الاتفاق بين باكستان والسعودية، في سبتمبر 2025، تعالى النقاش حول ما إذا كان يعني توسيع الردع النووي الباكستاني ليشمل المملكة أيضا. والآن، مع انضمام تركيا إلى الإطار الثلاثي، يأخذ هذا النقاش بعدا إستراتيجيا أوسع”.

ووفقا لغوجانسكي، فإنه “لا يوجد في هذه المرحلة أساسا علنيا كافيا للتأكيد على أن السعودية وتركيا ستحظيان بشكل أوتوماتيكي بـ’مظلة نووية’ باكستانية. وصيغة الدفاع المتبادل ليست بالضرورة التزاما باستخدام سلاح نووي، وبالتأكيد أنها لا تعني أن باكستان نقلت سيطرة من أي نوع على ترسانتها. لكن في مجال الردع، فإن التعتيم هو أحيانا مورد أيضا”.

وأشار غوجانسكي إلى أن “كون تركيا الضلع الثالث من شأنه أن يشكل أهمية خاصة. ففي السنوات الأخيرة وسّعت تركيا تموضعها الأمني في الشرق الأوسط، وصناعتها الأمنية تحولت إلى أداة مركزية في سياسة أنقرة الخارجية. وتستخدم تركيا تصدير الطائرات بدون طيار، والأنظمة القتالية، والسفن والخبرة العسكرية من أجل بناء علاقات بعيدة المدى وتوسيع تأثيرها”.

وبحسبه فإن “انضمام تركيا إلى إطار أمني مع السعودية وباكستان يمنح أنقرة إمكانية لتعميق تأثيرها في الخليج، لكنها تمنح الرياض أفضلية أيضا. فالسعوديون لا ينضمون إلى حلف تركي، وإنما إلى إطار ثلاثي يشكلون فيه مركز ثقل، وهذا فرق هام. والعلاقات بين السعودية وتركيا شهدت في السنوات الأخيرة منافسة شديدة على التأثير والقيادة في العالم السني، والاتفاق الجديد لا يمحو هذه المنافسة، لكنه يدخلها إلى إطار من التعاون”.

وحذر غوجانسكي من أن “الخطأ الإسرائيلي سيكون بالنظر إلى أي تقارب عسكري بين دول إسلامية على أنه تحالف معاد لإسرائيل. ولا ينبغي الإقرار في هذه المرحلة بأن الاتفاق هو ضد إسرائيل؛ فالدول الثلاث تواجه تهديدات مختلفة، وبالنسبة للرياض هذه الخطوة مرتبطة أولا برغبتها في توسيع حيزها في المناورة الإستراتيجية، وتقليص تعلقها بجهة خارجية وحيدة”.

وأضاف أنه “بالرغم من ذلك، سيكون هذا خطأ ليس أقل حجما أن تتجاهل التبعات المحتملة على إسرائيل. فطوال سنين، استند أحد الآمال الإستراتيجية في إسرائيل إلى إمكانية أن التهديد الإيراني سيؤدي تدريجيا إلى تبلور هندسة أمنية إقليمية يكون فيها تعاون بين إسرائيل والدول العربية البراغماتية”.

وأشار إلى أن “الاتفاق الجديد يدل على وجود إمكانية أخرى، وهي أن بإمكان دول عربية أن تبني منظومة أمنية إقليمية بدون إسرائيل أيضا. وإذا كان بإمكان الرياض تعميق علاقاتها الأمنية مع واشنطن وفي موازاة ذلك الحصول على قدرات من تركيا والتمتع بتعاون إستراتيجي مع باكستان، فإن القيمة النسبية لإسرائيل كجزء من الهندسة الأمنية الإقليمية من شأنها أن تتقلص”.

واعتبر أن “هذا لا يعني أن التطبيع بين إسرائيل والسعودية لم يعد مطروحا، لكن هذا يعني أن السعودية ستأتي إلى أي محادثات مستقبلية مع إسرائيل والولايات المتحدة حاملة عددا أكبر من البدائل. وبالنسبة للرياض، مجرد وجود البدائل هو مورد إستراتيجي وكذلك أداة تفاوض”.

وتابع غوجانسكي أن “الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة سيكون بما سيأتي بعده. وإذا سيبقى الاتفاق تصريحا سياسيا بالأساس، فإن أهميته ستكون محدودة. في المقابل، إذا رأينا تشكيل آلية دائمة لتنسيق أمني، وتدريبات مشتركة، ودمج أنظمة دفاع جوي، وتعاون استخباراتي، وصفقات سلاح كبيرة، وإنتاج أمني مشترك أو حضور عسكري باكستاني وتركي واسع أكثر في المملكة، فسيكون من الواضح أن هناك تغيير أعمق”.

وأشار إلى أنه “إذا تم في المستقبل ضم دول عربية أو إسلامية مثل مصر إلى هذا الإطار، فإن من شأنه أن يتحول من تحالف ثلاثي إلى نواة هندسة أمنية جديدة. واختيار مكة كمكان التوقيع يمنح الاتفاق بعدا رمزيا يصعب تجاهله”.

وأضاف غوجانسكي أنه “بالنسبة لإسرائيل، الاستنتاج ليس أنه ينبغي النظر إلى الثلاثي الجديد على أنه عدو، بل على العكس. مصلحة إسرائيل هي بمنع وضع تتحول فيه تطورات كهذه تدريجيا إلى إطار لإقصائها من الحيز الإقليمي. ويتعين على إسرائيل أن تعمق الحوار الإستراتيجي مع السعودية، وأن تحافظ على قنوات مع تركيا والاعتراف بأن الشرق الأوسط الجديد لم يعد ينقسم بشكل بسيط إلى معسكرات ’معنا’ و’ضدنا’. ودول المنطقة تبني شبكات متداخلة من الشراكات، وأحيانا تتعاون في موازاة ذلك مع خصومها، واتفاق مكة هو تعبير ساطع عن هذا التوجه”.

وخلص إلى أنه “من السابق لأوانه القول إن ’ناتو إسلاميا’ قد وُلد. والسؤال هو إذا كانت إسرائيل ستجد مكانها في هندسة إقليمية التي فيها شريكات محتملات لا تنتظرها، وإنما تبني لنفسها بدائل”.

Related posts

من هو الأمير هنرى الثالث عشر؟.. المتهم الرئيسى بـ”انقلاب ألمانيا”

mahmoud

مقتل 3 إسرائيليين وإصابة 172 في الهجمات الإيرانية

Na Da

نحو الإعلان عن هيئة دولية لإدارة غزة قبل نهاية العام

صابر الحرشاني