أموال «آيباك» لا تؤتي ثمارها: انتصار جديد في رصيد «التقدّميين»

في انتظار المقارعة الانتخابية المُنتظَرة بين الديمقراطيين والجمهوريين في نوفمبر المقبل، يحتدم سباق انتخابي موازٍ، تتوالى حلقاته تحت سقف القبّة الحزبية لكلّ من الطرفَين، بخاصة الحزب الديمقراطي. وإذا كانت الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري تكاد تدور حول شخص الرئيس دونالد ترامب وسياساته، مع كلّ ما تثيره من انقسامات داخل أروقة «الحزب الأحمر» الحاكم بأمره في البيت الأبيض و«الكونغرس» بمجلسَيه، فإن تمهيديات الديمقراطيين تُخاض تحت عناوين عديدة، منها هو مُعتاد من مسائل اجتماعية واقتصادية مزمنة، كالرعاية الصحية والاقتصاد، ومنها ما هو سياسي، كالموقف من إسرائيل، والمُطالبات بإنهاء المساعدات العسكرية غير المشروطة لها. والمسألة الأخيرة هذه، بدأت تكتسب صفة العامل الأساسي الطارئ على المشهد الداخلي الأميركي في السنوات الأخيرة، ليس ربطاً بأصداء الإدانة الدولية لحرب الإبادة الجماعية في غزة فقط، بل وأيضاً على خلفية الجدل الذي أثارته الحرب على إيران في الشارع الأميركي حول مدى ارتباطها بجوهر مصالح الولايات المتحدة.

وهكذا، لم تعُد تمهيديّات «الديمقراطيين» تقتصر على معركة «برنامجية» داخلية بين تيّارات حزبية متصارعة، مع كلّ ما قد تتركه هذه المعارك من انعكاسات على الصورة السياسية المستقبلية للحزب، بل تحوّلت إلى عملية فرز بين داعمي إسرائيل من جهة، وخصومها من جهة أخرى، وعلى رأسهم رموز «الجناح التقدّمي»، وداعموه.

من نيويورك إلى ميشيغان: خيبات مستمرّة لـ«آيباك»

منذ انطلاق الجولات الانتخابية التمهيدية لـ«الحزب الديمقراطي» مطلع العام، في ولايات كبنسلفانيا وإلينوي وتكساس ونيوجرسي وكنتاكي ونيويورك، حقّق «التيّار التقدّمي» في الحزب انتصارات ملحوظة، في مقابل إخفاقه في استحقاقات انتخابية تمهيدية في ولايات مثل ميسوري، حيث خسرت المرشّحة كوري بوش، المعروفة بمناهضتها لإسرائيل، لصالح المرشح ويسلي بيل، المدعوم من منظّمة «آيباك». ومثّلت تلك الانتصارات والإخفاقات، على السواء، مناسبة متكرّرة لإبراز حجم حضور العامل الإسرائيلي في الانتخابات، سواء كعنوان نزال سياسي، أو كأداة لاستدرار الدعم الانتخابي.

 ومع انتقال المعركة إلى ولاية ميشيغان، كانت المفاجأة بفوز مرشح «التقدّميين»، الطبيب الأميركي المنحدر من أصول عربية عبدول السيد (مختصر لاسم عبد الرحمن السيد)، الذي أضحى أوّل «تقدّمي» يفوز في انتخابات تمهيدية على مستوى الولاية في ميشيغان، وذلك بتحقيقه تفوّقاً بفارق ضئيل (نحو 49%) على النائبة هالي ستيفنز (قرابة 48%)، مرشّحة «التيّار التقليدي» التي تحظى بدعم قادة «الديمقراطي» (ومن بين أبرزهم حاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر والسيناتور المنتهية ولايته غاري بيترز)، وجماعات مؤيّدة لإسرائيل. وإذ صاحبت معركةَ ميشيغان، تقارير عن تخصيص منظّمة «آيباك» أكثر من 100 مليون دولار لدعم مرشّحيها المفضّلين في دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، من ضمنها 30 مليون دولار لهذه المعركة بالذات، من أجل إلحاق الهزيمة بالمرشّحين «الديمقراطيين» المناهضين لإسرائيل، فقد تأكّد، أكثر فأكثر، الطابع المصيري لتلك الاستحقاقات الانتخابية، التي باتت أقرب إلى استفتاء على دور اللوبيات الصهيونية ليس في المشهد الانتخابي فحسب، بل في الفضاء السياسي الأميركي ككلّ. وممّا يعزّز هذا الطابع أيضاً، ميل «صهاينة واشنطن» إلى التصرّف من منطلق استشعارهم خطر هبوط تأييد إسرائيل داخل الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته منذ عقود، خصوصاً داخل القاعدة الانتخابية «الديمقراطية».

منذ انطلاق الانتخابات التمهيدية، حقّق «التيّار التقدّمي» في «الديمقراطي» انتصارات ملحوظة

شروخ بين «الديمقراطيين»؟

لم يكد الطبيب المصري الأصل وعالم الأوبئة يحسم معركته داخل حزبه على بطاقة الترشّح لوراثة مقعد السيناتور المتقاعد غاري بيترز، مستفيداً من قاعدة شعبية واسعة من «التقدّميين» والناخبين الشباب وعدد كبير من أفراد الجالية العربية الأميركية في ميشيغان، حتى تعرّض لهجوم حادّ من منافسه «الجمهوري»، مايك روجرز، الذي اعتبر أن «الخيار في نوفمبر المقبل بسيط: الحسّ السليم أو الجنون التامّ». واستدعى هذا الموقفُ ردّاً من عبدول السيد، الذي وصف المرشّح «الجمهوري» بأنه «دمية في يد ترامب»، مواجهاً محاولات «الجمهوريين» تخويف الناخبين من ديانته وهويّته (مثلما فعله الرئيس دونالد ترامب الذي وصفه بـ«الشيوعي الفاشل») بالقول: «اسمي ليس السبب في أنكم (أي الأميركيين) لا تستطيعون شراء احتياجاتكم من البقالة. أتعلمون ما السبب؟ سياساتهم التافهة». كما غمز المرشح البالغ من العمر 41 عاماً، من قناة اتّهامه بكراهية اليهود على خلفية مواقفه المتشدّدة ضدّ إسرائيل، واصفاً الناخبين اليهود بـ«أخواتي وإخواني»، ومتعهّداً بضمان سلامتهم.

على أن هذا الانقسام، الذي جاءت نتيجة انتخابات ميشيغان لترسّخه، لا يقتصر على ما بين الجمهوريين والديمقراطيين بل يمتدّ إلى داخل الحزب الواحد، إذ أدّت نتيجة التمهيديات في هذه الولاية الصناعية الريفية، التي لطالما عُدّت مقياساً لاتجاهات السياسة الأميركية، إلى اشتداد الجدل داخل صفوف «الديمقراطي» حول برنامج السيّد الانتخابي، سواء في ما يخصّ انتهاجه «الشعبوية ‌الاقتصادية»، التي يجلّيها رفعه لعناوين محلّية كارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، والسكن، وانخفاض القدرة الشرائية – وهو ما جعله أحد رموز ظاهرة «صعود اليسار الجديد» في الولايات المتحدة، شأنه شأن أوكاسيو كورتيز وزهران ممداني -، أو لناحية ما يُظهِره من استعداد لاتّباع نهج أكثر صرامة تجاه إسرائيل، ولمجابهة المؤسّسة الحاكمة وجميع أذرعها، من شركات التأمين مروراً بمانحي الشركات وصولاً إلى منظّمات الضغط في واشنطن. وفي إطار تحليله أسباب تغلّب «التيّار التقدّمي» على نظيره «التقليدي» داخل الحزب، يلفت الباحث في «كلية هاميلتون» والمتخصّص في تاريخ اليسار الأميركي، موريس إيسرمان، إلى أن جاذبية الرسالة التي يحملها السيد ونظراؤه تكمن في إصرارهم على استعادة «الغرائز التاريخية» لـ«الديمقراطيين»، وفي مقدّمتها الدفاع عن العمال ومكافحة التفاوتات والاستجابة لمشكلات الحياة اليومية، مضيفاً أن نجاحاتهم لم تستند إلى القضية الفلسطينية فقط، بل ارتكزت على مطالب تتّصل بالصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الشباب والعمال والطبقات الشعبية.

وفي ظلّ الأمر الواقع الذي فرضته هذه النجاحات، وآخرها فوز عبدول، بادر زعيم الأقلّية «الديمقراطية» في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، الذي كان داعماً لستيفنز، إلى تهنئة السيّد بفوزه على مضض، حاذياً بذلك حذو زميلَيه بيرني ساندرز وإليزابيث وارن، ومؤكّداً حاجة «الديمقراطيين» إلى التركيز على ما سمّاه «الهدف المشترك»، المتمثّل بـ«كبح جماح دونالد ترامب» و«هزيمة الجمهوريين».

دلالات ومؤشرات مستقبلية بالحديث عن دلالات نتائج انتخابات ميشيغان، وهي ولاية محسوبة على «الديمقراطيين» استطاع ترامب أن يحسمها لصالحه مرّتَين خلال العقد الأخير، يشير محلّلون إلى أن تلك النتائج أظهرت قدرة قوى «اليسار الجديد» على توسيع نفوذها وحضورها الشعبي خارج معاقلها الحضرية التاريخية، والتحوّل إلى قوة انتخابية على المستوى الوطني، قادرة على مواجهة «الجمهوريين»، من جهة، وضعضعة هيمنة المؤسّسة الحزبية التقليدية، التي مثّلتها ستيفنز – وذلك لصالح تيّار جديد يربط العدالة الاجتماعية بتقليص نفوذ كبار المتموّلين، ومراجعة شروط الحلف مع إسرائيل -، من جهة ثانية. ويأتي هذا على الرغم من طغيان أجواء منافسة مختلّة، عَكَسها التفاوت الهائل في حجم الإنفاق الخارجي لمصلحة المرشّحين المدعومين من التيّار «التقليدي» وإسرائيل، وهو تفاوتٌ عوّضه «التقدّميون» في ميشيغان وولايات أخرى من خلال جمعهم أموالاً من المانحين الأفراد مباشرة. وبحسب مراقبين، فإن المفارقة في فوز «التقدّميين» في معركة ميشيغان، تكمن في أن معظم انتصاراتهم السابقة الرئيسة التي حقّقوها في الانتخابات التمهيدية جاءت في معاقل حزبية من مثل نيويورك، خلافاً لميشيغان التي تُعتبر ولاية ريفية وما بعد صناعية.

Related posts

دعوة لمسيرات بالضفة والقدس دعما للأقصى والمقاومة

Wa Lid

الأربعاء القادم: إنطلاق الفعاليات الكبرى بتنظيم كأس العالم بقطر

Ra Mzi

مخاوف ايطالية من تدخل روسيا والصين في تونس