رغبة في حملات التشجير يقابلها جدل…. النظافة هي المعركة الاولى

صابر الحرشاني

لم تكد تخمد الحرائق التي أتت على مساحات من الغطاء الغابي في عدد من الجهات، حتى انطلق على مواقع التواصل الاجتماعي جدل واسع بشأن الخطوة التالية.

ففي الوقت الذي دعت فيه مجموعة من الناشطين إلى تنظيم حملات تشجير كبرى يوم 25 أكتوبر المقبل، باعتباره موعدًا مناسبًا لانطلاق موسم الغراسة، برزت في المقابل أصوات علمية ومختصون في الغابات والبيئة دعوا إلى التريث، معتبرين أن الغابة المحترقة ليست أرضًا فارغة تنتظر الشتلات، بل منظومة بيئية معقدة تحتاج أولًا إلى التقييم العلمي وإلى منح الطبيعة فرصة للتعافي الذاتي قبل أي تدخل بشري.

هذا السجال يعكس في جوهره رغبة مشتركة في خدمة البيئة، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مهما حيث كيف يمكن توجيه الحماس الشعبي إلى أعمال تكون أكثر فاعلية وأقل ضررًا؟ فليس كل عمل بيئي حسن النية يكون بالضرورة مفيدًا، كما أن حماية الطبيعة تستوجب أحيانًا مقاومة الرغبة في التدخل وترك المجال للعلم والخبرة.

 نظام بيئي متكامل

و يرى المختصون في علوم الغابات أن الحرائق، رغم قسوتها، لا تعني دائما موت الغابة نهائيا. فالعديد من الأنواع النباتية المتوسطية تمتلك قدرة طبيعية على التجدد بعد الحرائق، سواء عبر البذور التي تنشط بفعل الحرارة أو عبر الجذوع والجذور التي تعاود الإنبات مع أولى الأمطار.

ولهذا يؤكد الخبراء أن المرحلة الأولى بعد الحريق يجب أن تركز على تقييم حجم الأضرار، ودراسة خصائص التربة، ورصد قدرة الغطاء النباتي على التجدد الطبيعي، إضافة إلى تحديد المناطق التي تحتاج فعلا إلى إعادة تشجير وتلك التي يكفي تركها لتستعيد عافيتها.

كما أن التشجير العشوائي قد يفرز نتائج عكسية إذا استعملت أصناف نباتية غير ملائمة أو إذا تمت الغراسة في أماكن لا تحتاج إليها، وهو ما قد يخل بالتوازن البيئي أو يؤدي إلى نسب نفوق مرتفعة للشتلات، فتتحول الجهود التطوعية إلى عمل رمزي أكثر منه مشروعا بيئيا ناجحا.

ولا يقتصر الأمر على اختيار موعد الغراسة، بل يشمل أيضا تحديد الأنواع المناسبة، وطريقة الغرس، ومتابعة الشتلات بالسقي والحماية لسنوات، وهي مهام لا تنتهي بمجرد التقاط صورة جماعية يوم الحملة.

ثروة تحتاج إلى توجيه

و لا يمكن إنكار أن الدعوات إلى التشجير تعكس تنامي الوعي البيئي لدى فئات واسعة من المواطنين، وهو أمر إيجابي تحتاجه تونس أكثر من أي وقت مضى في ظل التغيرات المناخية وتزايد موجات الجفاف والحرائق.

لكن هذا الحماس سيكون أكثر جدوى إذا تم إدماجه ضمن برامج تشرف عليها الإدارات المختصة والهياكل العلمية والجمعيات ذات الخبرة، حتى يتحول العمل التطوعي إلى عنصر مكمل للسياسات العمومية، لا إلى مبادرات قد تتعارض معها عن غير قصد.

فالعمل البيئي لا يقوم على النوايا الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى تخطيط وإلى معرفة دقيقة بخصوصية كل منطقة. وما يصلح لغابة جبلية قد لا يناسب غابة ساحلية، كما أن كثافة الغراسة، واختيار الأنواع، وحتى توقيت التدخل، كلها عناصر يحددها المختصون وفق معايير علمية.

ومن هنا يبدو الرأي القائل بضرورة منح الغابة “فترة راحة” ليس دعوة إلى السلبية، وإنما إلى احترام إيقاع الطبيعة وإعطاء الأولوية للدراسات الميدانية قبل اتخاذ أي قرار.

و إذا كان التشجير يحتاج إلى إشراف علمي دقيق، فإن هناك مجالًا آخر يمكن أن يستوعب طاقات المتطوعين دون أي خلاف، وهو حملات النظافة واسعة النطاق.

فالواقع اليوم يكشف أن الشواطئ، والغابات، والمنتزهات، وضفاف الأودية، وحتى الأحياء السكنية، تعاني من تراكم النفايات البلاستيكية ومخلفات الاستهلاك، وهي مشاهد تسيء إلى البيئة وإلى صورة البلاد، وتؤثر سلبا في الصحة العامة وفي النشاط السياحي.

إن تنظيم حملات وطنية دورية لتنظيف الشواطئ والفضاءات العامة والغابات يمكن أن يحقق نتائج ملموسة خلال أشهر قليلة، خاصة إذا رافقته حملات توعية وتشجيع على فرز النفايات واحترام الملك العمومي.

بل إن تنظيف الغابات بعد الحرائق من بعض المخلفات غير الطبيعية، وإزالة النفايات التي يلقيها الزوار، يساهم في الحد من مخاطر اندلاع حرائق جديدة، ويحافظ على التنوع البيولوجي، ويجعل الفضاءات الطبيعية أكثر أمانًا.

كما يمكن للمتطوعين أن يشاركوا في مراقبة الغابات، والتبليغ عن التجاوزات، والمساهمة في حملات التوعية داخل المدارس والجامعات، وهي أعمال لا تقل أهمية عن غرس الأشجار، بل قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل.

إن البيئة لا تحتاج إلى يوم واحد من الحماس بقدر ما تحتاج إلى ثقافة يومية من المسؤولية. فغرس شجرة عمل نبيل، لكن المحافظة عليها وعلى محيطها هي المهمة الأصعب. ولعل أفضل استثمار لهذا الزخم الشعبي هو توجيهه نحو الأعمال التي أجمع المختصون على فائدتها، وفي مقدمتها حملات النظافة، على أن يبقى التشجير مشروعًا وطنيًا منظمًا تقوده المؤسسات المختصة عندما تكتمل الدراسات وتتهيأ الظروف العلمية والمناخية المناسبة.

فالمعادلة البيئية الناجحة لا تقوم على الاختيار بين التشجير أو النظافة، وإنما على ترتيب الأولويات: نترك الغابة تتعافى وفق ما يقرره أهل الاختصاص، وفي الأثناء نجعل من تنظيف الشواطئ والحدائق والغابات والفضاءات العامة قضية وطنية يشارك فيها الجميع، لأن البيئة السليمة تبدأ أولًا من احترام المكان الذي نعيش فيه، ثم من حسن التدخل حين تستدعي الطبيعة ذلك.

Related posts

خلال يوم: 16 حالة وفاة في حوادث مختلفة

Na Da

بنقردان : حجز 25 ألف علبة سجائر مهربة بعد عملية مطاردة

root

إحداث 3 أقسام استشفائية جامعية بالمستشفى الجهوي بالمكنين

Na Da