من الخدمة الإدارية إلى الشمول المالي: المدرسة في قلب التحول الرقمي

صابر الحرشاني

قد يبدو الترسيم الإلكتروني للتلاميذ، وما يرافقه من اعتماد متزايد على الاستخلاص الرقمي، للوهلة الأولى خطوة إدارية  بالغة التعقيد غير أن النظر إلى المسألة من زاوية أوسع يكشف عن احتمال وجود رهان آخر أكثر عمقا. ويمكن ان يفهم من توجيه الاولياء الى وسائل دفع الكترونية لاستخلاص الترسيم دون سواه هو استغلال للمدرسة، بما لها من انتشار اجتماعي واسع، كرافعة للشمول المالي والرقمي وتعميم الحد الأدنى من الممارسة الرقمية بين الأسر.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الترسيم الإلكتروني صُمم تحديدا من أجل نشر المحافظ الإلكترونية أو تغيير سلوك الأسر المالي، لكن السياسات العامة لا ترتبط بأهدافها المباشرة فحسب؛ إذ كثيرا ما تكون لإجراء إداري واحد آثار استراتيجية تتجاوز الغاية المعلنة منه والمدرسة، في هذا السياق، أداة استثنائية فهي تصل إلى شرائح اجتماعية واسعة، وفي أغلب الأسر توجد علاقة منتظمة بالمؤسسة التعليمية، ولذلك فإن إدخال إجراء رقمي إلزامي أو شبه إلزامي في مسار الترسيم والاستخلاص يخلق، بصورة تلقائية تقريبا، كتلة واسعة من المستخدمين للخدمات الرقمية.

ويجد المواطن الذي لم تكن لديه حاجة فعلية إلى محفظة إلكترونية، أو لم ير فائدة مباشرة من استخدام وسيلة دفع رقمية،  نفسه أمام حاجة ملموسة وهي تسجيل ابنه أو ابنته، وتسوية وضعية، و دفع معلوم، أو متابعة إجراء إداري و هنا تحدث النقلة المهمة.

وبدلا من أن يكون التحول الرقمي موضوعا لحملات توعوية تدفع المواطن الى استعمال الخدمات الرقمية لأنها مفيدة، يصبح الاستعمال نفسه وسيلة للتعلم ويفتح الولي حسابا أو محفظة، و يتعرف على واجهة رقمية، ثم يتحقق من بياناته، وينفذ عملية دفع، و يتلقى إشعارا إلكترونيا، ويحتفظ بإثبات للمعاملة.

وقد تبدو هذه خطوات بسيطة، لكنها بالنسبة إلى شخص قليل الاحتكاك بالتكنولوجيا المالية تمثل اكتسابا تدريجيا لما يمكن تسميته الكفاءة الرقمية الوظيفية، وهذا بالضبط أحد أوجه الشمول الرقمي التي لا تحظى دائما بالاهتمام الكافي.

ان الشمول الرقمي يتعدى مجرد توفير الإنترنت أو الهواتف الذكية، ويشمل أيضا جعل المواطن قادرا على استخدام الخدمات الرقمية التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية، وكذلك الشمول المالي لا يعني فقط امتلاك حساب بنكي، وإنما القدرة على الوصول إلى الخدمات المالية واستعمالها بانتظام وبأمان، ومن هنا يمكن فهم التقاطع بين الترسيم الإلكتروني، والدفع الرقمي، والمحافظ الإلكترونية.

إن تعميم الدفع الرقمي يحتاج إلى أكثر من التكنولوجيا، فهو يحتاج إلى عدد كبير من المستعملين، وتواتر في الاستعمال، وثقة في النظام، وشبكة واسعة من نقاط القبول. وكل خدمة جماهيرية يمكن أن تصبح رافعة لهذا المسار، والمدرسة من أكثر الخدمات العمومية قدرة على تحقيق ذلك بحكم اتساع قاعدة المنتفعين بها، بل إن الأثر قد يتجاوز الولي نفسه، فعندما يتعلم أحد أفراد الأسرة استعمال وسيلة دفع إلكترونية، فإن المعرفة تنتقل غالبا إلى أفراد آخرين، وحين يصبح الدفع الرقمي مألوفا في الأسرة، يمكن أن يمتد استعماله إلى فواتير أو مشتريات أو خدمات أخرى، و هكذا يمكن لإجراء إداري واحد أن يساهم، بطريقة غير مباشرة، في تغيير العادات المالية والرقمية.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، حيث تجعل رقمنة الاستخلاص المعاملة المالية قابلة للتتبع والمطابقة والتوثيق، فبدلا من انفصال العملية المالية عن المعطيات الإدارية، تصبح مرتبطة بهوية المستفيد وبالخدمة التي تلقاها، وهذا يفتح مستقبلا إمكانات أوسع في مجال الشفافية، وإدارة الموارد، وتحليل التدفقات المالية، واتخاذ القرار بناء على بيانات أكثر دقة

وقد يكون الأهم في الحالة التونسية هو أن هذه الإجراءات تأتي ضمن سياق عالمي تتجه فيه الدول إلى رقمنة الإدارة، وتوسيع الدفع الإلكتروني، وتطوير الهوية الرقمية، وتحسين قابلية الربط بين قواعد البيانات والخدمات العمومية.

ولذلك فإن منصة الحياة المدرسية قد تكون، من منظور أوسع، جزءا من تحول تدريجي نحو إدارة تعتمد على البيانات والخدمات الرقمية المتكاملة.

وبناء على ماتقدم يكون السؤال الأهم متصلا بما الذي نبنيه من خلال هذه المنظومات بعد خمس أو عشر سنوات، فإذا أصبحت للطفل هوية ومسار رقمي، وللولي حساب للخدمات، وللمؤسسة قاعدة بيانات محدثة، وللدولة قدرة أكبر على الربط والتحليل، وللمواطن عادة منتظمة في استعمال الدفع والخدمات الرقمية، فإننا لا نكون قد رقمنّا الترسيم فقط بل ربما نكون قد ساهمنا في بناء بنية تحتية اجتماعية للانتقال الرقمي، وهنا تصبح المدرسة أكثر من مؤسسة للتعليم وتصبح، من حيث لا يبدو ذلك واضحا في البداية، واحدة من أهم قنوات إدماج المجتمع في الاقتصاد والخدمات الرقمية.

وقد يكون من المفيد النظر إلى الترسيم والاستخلاص الإلكترونيين لا باعتبارهما نهاية مشروع إداري، وإنما باعتبارهما مرحلة في مشروع أكبرعنوانه تحويل الاستخدام الرقمي من خيار محدود إلى ممارسة يومية عادية لمختلف شرائح المجتمع.

وإذا كان هذا هو الاتجاه فعلا، فإن القيمة الاستراتيجية للعملية لن تظهر في عدد الملفات التي تم ترسيمها إلكترونيا اليوم، بل في عدد المواطنين الذين سيصبحون، بعد سنوات، قادرين على التعامل مع الدولة والمال والخدمات من خلال فضاء رقمي بثقة وكفاءة.

Related posts

جلسة عمل بين وزارة النقل ووزارة تكنولوحيا الإتصال

Ra Mzi

اطلاق Ooredoo Privilèges: تجربة رقمية جديدة لتعزيز القوة الشرائية للحرفاء

وزارة الاتصال:جيوش من الذباب الالكتروني خصصت لتأليب الرأي العام

Halima Souissi