ترند صور الثمانينات..حنين و مخاطر

صابر الحرشاني

تثير صور الثمانينات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة اهتماما واسعا في تونس وفي عدد من بلدان العالم، بعدما وجدت شريحة واسعة من المستخدمين في أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة لإعادة تشكيل صورهم وفق ملامح تلك المرحلة. ملابس قديمة، تسريحات شعر، سيارات وشوارع من زمن مضى، وأجواء تبدو كما لو أنها التقطت فعلا قبل أربعة عقود، كلها عادت إلى الواجهة في صور جديدة صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد يبدو الأمر في البداية مجرد ترند رقمي عابر، هدفه التسلية واستعادة صور من الماضي، إلا أن الإقبال الكبير عليه يكشف عن ظاهرة اجتماعية ونفسية أعمق، فالإنسان لا يشارك صورة من الماضي فقط لأنها تبدو جميلة، وإنما لأنها تستدعي فترة معينة من حياته، أو تعيد إليه أشخاصا وأماكن وأحاسيس أصبحت بعيدة مع مرور الزمن.

الحنين إلى الماضي..

و تكشف هذه الظاهرة، قبل كل شيء، عن قوة الحنين إلى الماضي، وليس من الضروري أن يكون الماضي أفضل فعلا حتى يشتاق إليه الإنسان، فمع مرور السنوات، لا تحتفظ الذاكرة بكل تفاصيل التجربة بنفس الدرجة، وإنما تميل إلى الاحتفاظ ببعض اللحظات والصور والأشخاص، بينما تتراجع تفاصيل أخرى، وخاصة تلك المرتبطة بالصعوبات والضغوط التي كانت موجودة في ذلك الوقت.

وبناء على ذلك يمكن وفق لعلماء الاجتماع لشخص عاش فترة الثمانينات أن يرى في الصورة التي أنتجها الذكاء الاصطناعي استعادة لشبابه أو طفولته، حتى وإن كانت الصورة نفسها لم تحدث في الواقع، فهو لا يبحث بالضرورة عن توثيق تاريخي دقيق، وإنما عن الشعور الذي ارتبط بتلك المرحلة، وهنا تكمن قوة الصورة، فهي لا تستعيد الماضي كما حدث، وإنما تستعيد الطريقة التي نتذكر بها الماضي.

وقد يكون هذا أحد أسباب الانتشار الكبير للترند في بلادنا، فمجتمعنا عرف خلال العقود الماضية تحولات اجتماعية وتكنولوجية كبيرة، حيث تغيرت الأحياء والمدن، واختفت بعض الأماكن والعادات، وتبدلت طرق التواصل والعمل والترفيه، وأصبحت التكنولوجيا جزءا أساسيا من تفاصيل الحياة اليومية.

وعندما يرى مستعمل “الفايسبوك” صورة تعيد شارعا قديما أو مقهى أو منزلا يشبه المكان الذي عاش فيه، فإن الصورة لا تستحضر شكلا بصريا فقط، وإنما تفتح أمامه سلسلة من الذكريات المرتبطة بالعائلة والأصدقاء والمدرسة والحي والطفولة.

كما أن الحنين لا يرتبط دائما بما عشناه شخصيا، فالأجيال الأصغر سنا، التي لم تعش الثمانينات، يمكن أن تشعر بدورها بالانجذاب إلى تلك المرحلة من خلال صور العائلة والأفلام والموسيقى والقصص التي سمعتها من الآباء والأجداد، وهكذا يتحول الماضي إلى صورة ثقافية مشتركة، يستطيع حتى من لم يعشه أن يشعر بالانتماء الرمزي إليه.

ويبدو ان انتشار صور الثمانينات لا يعني بالضرورة أن الناس يريدون العودة فعليا إلى ذلك الزمن بكل ما كان يحمله من صعوبات ونقائص، و ربما هم يحنون إلى الإحساس المرتبط به من البساطة، و القرب بين الناس، و الحياة قبل الهواتف الذكية، أو حتى الشعور بأن الوقت كان يمر بطريقة مختلفة.

وفي هذا المعنى، قد يكون الحنين إلى الماضي انعكاسا لعدم الرضا عن بعض جوانب الحاضر. فكلما أصبحت الحياة أكثر سرعة، وتضاعفت كمية المعلومات، وأصبحت العلاقات الاجتماعية مرتبطة بصورة متزايدة بالشاشات، يبدو الماضي في الذاكرة أكثر هدوءا وبساطة.

مخاطر خفية

و وراء هذا الجانب المشرق ثمة جانب مظلم لا يمكن السكوت عليه، فعندما يرفع المستخدم صورة شخصية إلى إحدى منصات الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يشارك مجرد ملف موجود على هاتفه، حيث ان الصورة قد تتضمن وجها يمكن التعرف إليه، وملامح بيومترية، وربما أشخاصا آخرين ومعلومات عن المكان والزمان والبيئة المحيطة.

وتختلف سياسات المنصات بشكل كبير في ما يتعلق بطريقة معالجة هذه الصور، ومدة الاحتفاظ بها، وإمكانية استخدامها لتحسين الخدمات أو تدريب النماذج، ولذلك لا يمكن القول إن كل منصة تتعامل مع الصور بالطريقة نفسها، لكن لا ينبغي أيضا افتراض أن الصورة تختفي بالضرورة بمجرد انتهاء عملية التعديل أو التوليد.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بصور الأطفال أو أفراد العائلة أو أشخاص لم يمنحوا موافقتهم على رفع صورهم إلى خدمات الذكاء الاصطناعي خاصة ان الوجه أصبح اليوم جزءا من الهوية الرقمية، وهو يختلف عن كلمة المرور التي يمكن تغييرها إذا تعرضت للاختراق، وإذا أصبحت صورة الوجه متاحة في سياقات متعددة، فقد تستعمل في إنشاء محتوى مزيف أو انتحال الهوية أو إنتاج صور وفيديوهات لم تحدث في الواقع.

وقد حذرت مؤسسات مختصة، من بينها المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا، من المخاطر التي تطرحها تقنيات التزييف العميق والتلاعب بالصور، خاصة مع تطور تقنيات تركيب الوجوه والوسائط الاصطناعية. كما أشارت الجهات الأمريكية المختصة بحماية المستهلك إلى تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في انتحال الأشخاص وإنتاج محتوى مزيف يمكن أن يسبب أضرارا حقيقية للضحايا.

ولا يتوقف الأمر عند انتحال الهوية، فالصورة الشخصية يمكن أن تدخل في سياق لم يختره صاحبها، أو أن تستخدم لتوريطه في محتوى مزيف يوحي بوجوده في مكان لم يزره أو قيامه بفعل لم يرتكبه.

وفي عصر أصبحت فيه الصور والفيديوهات تستخدم كأدلة أو وسائل لإقناع الجمهور، يمكن لمحتوى مصطنع أن يتحول إلى أداة للتشهير والإضرار بالسمعة أو حتى إلى عنصر في عمليات احتيال وانتحال، ولهذا فإن المشاركة العفوية للصور تستحق قدرا أكبر من الحذر. فقبل رفع صورة إلى أي منصة، من المفيد معرفة شروط استخدامها، وما إذا كانت المنصة تحتفظ بالمحتوى، وما إذا كانت تستخدمه لتحسين نماذجها، وما الخيارات التي تتيحها لحذف البيانات. كما ينبغي تجنب تحميل صور أشخاص آخرين، خصوصا الأطفال، من دون مراعاة حقهم في الخصوصية.

وفي المحصلة يكشف ترند صور الثمانينات عن مفارقة لافتة فالإنسان يستعمل واحدة من أحدث تقنيات العصر كي يعود إلى زمن سابق على هذه التكنولوجيا نفسها حيث إنه يبحث عن الماضي عبر أداة تمثل المستقبل لا تخلو من مخاطر.

Related posts

يومي 20 و21 جانفي: عرض المسرحية الجديدة للفاضل الجعايبي “آخر البحر”

ياسمين صبري:” لا أملك اصدقاء في الوسط الفني”

Ghada Trabelsi

الغاء الدورة 60 لمهرجان تستور الدولي للمالوف و الموسيقى العربية

صابر الحرشاني