ملامح ميزانية 2027:مواصلة في خيار التعويل على الذات وتغيير في قواعد الإنفاق

صابر الحرشاني

تتجه ميزانية الدولة لسنة 2027 نحو تكريس خيار التعويل أكثر على الموارد الذاتية، مع مراجعة آليات تعبئة المداخيل وترشيد الإنفاق وتسريع تنفيذ المشاريع العمومية، في إطار الانتقال من مرحلة وضع التصورات الاستراتيجية إلى مرحلة تنفيذ الإصلاحات والمشاريع المبرمجة ضمن المخطط التنموي 2026-2030. ويبرز التقرير الذي أحالته وزارة المالية إلى مجلس نواب الشعب مؤخرا حول تنفيذ ميزانية الدولة في النصف الأول من سنة 2026 والفرضيات والتوجهات الكبرى لمشروع ميزانية 2027، جملة من الخيارات التي ستحدد ملامح السياسة المالية خلال السنة المقبلة.

وتضع الوثيقة الحفاظ على التوازنات المالية في مقدمة الأولويات، بالتوازي مع دعم النمو وتحسين الخدمات العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية والجهوية. كما تتجه الدولة إلى الحد تدريجيا من اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، مقابل تطوير الموارد الذاتية، خاصة من خلال تحسين الاستخلاص الجبائي وتوسيع قاعدة الأداءات وإدماج الاقتصاد غير المنظم ورقمنة الإدارة الجبائية والديوانية.

وتأتي هذه الخيارات في ظرف يتسم باستمرار الضغوط على المالية العمومية، خاصة بفعل ارتفاع نفقات الأجور والدعم وخدمة الدين، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأساسية والمخاطر المرتبطة بالاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. وترى وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تقتضي مزيدا من المرونة في السياسة المالية، مع توجيه الموارد نحو القطاعات والمشاريع التي توفر مردودية اقتصادية واجتماعية أكبر.

توسيع الموارد الذاتية

و يمثل تعزيز الموارد الذاتية للدولة أحد أبرز عناوين مشروع ميزانية 2027، وتقوم التوجهات المعلنة على مواصلة ترسيخ الاستقلالية المالية للدولة، بما يدعم قدرتها على تمويل نفقاتها والوفاء بالتزاماتها ويحد تدريجيا من الحاجة إلى الاقتراض، وخاصة الخارجي.

وفي هذا السياق، تراهن السياسة المالية على تحسين مردودية المنظومة الجبائية عبر توسيع قاعدة الأداء، وإدماج الاقتصاد غير المنظم، وتحسين الامتثال الطوعي، وتبسيط الإجراءات، وتطوير الخدمات الرقمية. كما تتجه إلى تعزيز الرقابة على المتهربين من دفع الضرائب، من خلال توظيف الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وربط قواعد المعلومات بين مختلف الهياكل المعنية.

وتعطي الوثيقة أهمية لتحديث الإدارة الجبائية والديوانية عبر رقمنة الخدمات والإجراءات وتبسيط المسارات الإدارية، بما يمكن من تحسين جودة الخدمات ورفع مستوى الشفافية والحوكمة. كما تبرز توجها نحو مراجعة الحوافز الجبائية وربطها بدرجة أكبر بالجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للاستثمارات، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية والقطاعات الاستراتيجية.

ولا تتوقف تعبئة الموارد عند الجباية، إذ تشير التوجهات إلى ضرورة تنويع الموارد غير الجبائية وتحسين مردودية أملاك الدولة والمؤسسات والمنشآت العمومية وتعزيز مساهمتها في تمويل الميزانية. كما تبرز أهمية استعادة نسق إنتاج وتصدير الفسفاط وتحسين استغلال الثروات الوطنية.

وترتبط هذه الخيارات بهدف أوسع يتمثل في رفع نسبة التمويل الذاتي للنفقات العمومية وتحسين قدرة المالية العمومية على مواجهة الصدمات الخارجية. كما تعكس توجها نحو البحث عن موارد إضافية دون زيادة الضغط على الفئات الاجتماعية التي تتحمل أصلا الجزء الأكبر من العبء الجبائي.

وتؤكد الوثيقة في هذا الجانب أن توسيع قاعدة الموارد يجب أن يترافق مع تحسين العدالة الجبائية، حتى لا تتحول تعبئة الموارد إلى زيادة في الضغط على المؤسسات والأجراء والمنظمين في القطاع الرسمي، في حين يبقى الاقتصاد غير المنظم خارج دائرة المساهمة الكاملة في تمويل النفقات العمومية.

إنفاق أكثر استهدافا

على مستوى الإنفاق، تقوم التوجهات الأولية على ترشيد استخدام الموارد العمومية وتوجيهها نحو الحاجيات ذات الأولوية والطابع الاستعجالي، بما يرفع نجاعة الإنفاق ويحافظ على التوازنات المالية.

ويحافظ البعد الاجتماعي على موقع متقدم ضمن أولويات ميزانية 2027، من خلال مواصلة دعم الفئات محدودة الدخل والفئات الهشة وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات العمومية. كما تتجه الدولة إلى دعم التشغيل والحد من البطالة، مع مواصلة الانتدابات في الوظيفة العمومية وفق الأولويات، خاصة في القطاعات التي ترتبط مباشرة بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

ويشمل التوجه الاجتماعي كذلك مواصلة دعم السكن الاجتماعي وتحسين ظروف النفاذ إلى السكن، إلى جانب تطوير برامج تستهدف الفئات محدودة ومتوسطة الدخل. كما تضع الوثيقة الأمن الغذائي والمائي ضمن الأولويات، عبر دعم الإنتاج الفلاحي وتطوير سلاسل الإنتاج والتخزين والتوزيع والرفع من الإنتاجية.

وفي مجال الماء، تبرز الحاجة إلى ترشيد استهلاك الموارد المائية وتعبئة موارد إضافية وتطوير البنية الأساسية، بما في ذلك تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة، مع مواصلة إجراءات الاقتصاد في الماء.

أما الدعم، فتتجه السياسة المعلنة إلى مواصلة المحافظة على دعم المواد الأساسية، مع مزيد من الترشيد وتحسين استهداف المستحقين. وتربط الوثيقة بين إصلاح منظومة الدعم من جهة، وضمان العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية من جهة أخرى، بما يسمح بالحد من الهدر وتحسين مردودية النفقات الاجتماعية.

وفي موازاة ذلك، تحظى المؤسسات والمنشآت العمومية باهتمام خاص، من خلال اتخاذ إجراءات لمعالجة الصعوبات التي تواجهها وضمان استمرارية المرفق العام وتحسين أدائها. كما تطرح الوثيقة تعزيز آليات المتابعة والتقييم والتصرف في الإنفاق العمومي لضمان الاستخدام الأمثل للموارد.

وتعطي الدولة أولوية أكبر للاستثمار العمومي، خاصة المشاريع ذات المردودية الاقتصادية والاجتماعية العالية. وتدعو التوجهات إلى تسريع إنجاز المشاريع المبرمجة ضمن المخطط التنموي 2026-2030، خصوصا في البنية التحتية والنقل والماء والطاقات المتجددة والتحول الرقمي والصحة والتعليم وتهيئة المناطق الصناعية.

دعم قدرة الاقتصاد

ومن الناحية الاقتصادية تربط ميزانية 2027 بين الإصلاح المالي ودعم قدرة الاقتصاد الوطني على النمو. وتتمثل إحدى الأولويات في تحسين مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار الخاص ودعم المبادرة الاقتصادية وتطوير سياسة جبائية أكثر نجاعة وعدالة، بما يساعد على خلق المؤسسات ومواطن الشغل.

وتتجه الدولة أيضا إلى دعم الشركات الأهلية باعتبارها آلية للتنمية المحلية والاندماج الاقتصادي، من خلال توفير التمويل والمرافقة، خاصة في المناطق الداخلية. كما تبرز أهمية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كأحد المسارات القادرة على دعم التنمية الجهوية وتقليص الفوارق بين الجهات.

وفي المجال الرقمي، تراهن التوجهات على مواصلة رقمنة الإدارة وتطوير الخدمات الإلكترونية، إلى جانب تشجيع التكنولوجيا الحديثة والقطاعات التي توفر قيمة مضافة وقدرة أكبر على التصدير. وتندرج الرقمنة ضمن مسار أوسع لإصلاح الإدارة وتحسين الحوكمة وتطوير العلاقة بين الدولة والمتعاملين الاقتصاديين.

أما الانتقال الطاقي، فيحضر بقوة ضمن توجهات 2027، من خلال تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية والحد من الاعتماد على الطاقات الأحفورية. وتربط الوثيقة بين هذا الخيار وتعزيز الأمن الطاقي وتقليص كلفة الطاقة والوفاء بالالتزامات البيئية والمناخية.

وتتجه الدولة كذلك إلى دعم الاقتصاد الأخضر من خلال مشاريع إعادة التدوير وتحسين إدارة النفايات وتشجيع المبادرات البيئية والشركات الناشئة الناشطة في هذا المجال.

وتكتسب التنمية الجهوية بدورها بعدا مهما في ميزانية 2027، عبر توجيه الاستثمارات العمومية وفق مؤشرات موضوعية تراعي خصوصيات كل جهة ومستويات الحرمان فيها. وتشمل الأولويات تحسين البنية الأساسية وشبكات النقل والطرقات والربط الرقمي والماء، إلى جانب تهيئة مناطق صناعية جديدة قادرة على استقطاب الاستثمار وخلق فرص العمل.

وتبقى هذه الخيارات مرتبطة بالظرف الاقتصادي العالمي، خاصة تطورات النمو العالمي والطلب الخارجي وأسعار الطاقة والتضخم. وتستند الفرضيات الأولية لميزانية 2027 إلى تحسن تدريجي للنمو الاقتصادي العالمي وتراجع التضخم، مع اعتماد فرضية لسعر برميل النفط في حدود تتراوح بين 75 و80 دولارا خلال السنة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو ميزانية 2027 قائمة على معادلة مزدوجة: تعبئة موارد ذاتية أكبر، وإنفاق أكثر انتقائية. وبينما تواجه الدولة ضغوط الأجور والدعم وخدمة الدين، تراهن على إصلاح الجباية ورقمنة الإدارة وتحسين أداء المؤسسات العمومية وتسريع المشاريع والاستثمار في القطاعات الجديدة، بما يجعل الميزانية أداة لتنفيذ المخطط التنموي وترجمة الإصلاحات إلى مشاريع وإجراءات فعلية. ويؤكد التقرير أن نجاح هذه الخيارات سيظل مرتبطا بقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع في آجالها وتحسين مردودية الإنفاق ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية ومناخية تفرض إعادة ترتيب الأولويات. 

Related posts

صندوق النقد الدولي:الغزو الروسي لأوكرانيا هو أكبر عامل مؤثر على الاقتصاد العالمي

Halima Souissi

ارتفاع فائض الميزان التجاري الغذائي إلى 489 مليون دينار

Rahma Khmissi

مشروع ميزانية الدولة لسنة 2024 يضبط ميزانية الدولة بقيمة 77868 مليون دينار