افتتاحية / امريكيا و “استراتيجية الخوف”

صابر الحرشاني

بدت الوثيقة الاستراتيجية الحربية الامريكية الجديدة لعام 2026 اقرب إلى مرآة قلق عميق يتسلل الى قلب القوة التي حكمت النظام الدولي لعقود.

وتذهب تحاليل معمقة الى اعتبار ما يطفو بين سطور الوثيقة ليس فائض ثقة المنتصر بل ارتباك الامبراطورية التي تشعر ان الزمن لم يعد يعمل لصالحها وان التفوق الذي كان بديهيا بات محل اختبار دائم، ولذلك يمكن قراءة هذه الوثيقة باعتبارها استراتيجية خوف قبل ان تكون استراتيجية قوة ، بمعنى الخوف من عالم يتغير بوتيرة اسرع من قدرة واشنطن على ضبطه وخوف من خصوم لم يعد يقبلون بدور الكومبارس في مسرح الهيمنة الامريكية.

و اللافت في هذه الاستراتيجية التي تمثل احد اهم محاور الاهتمام الاعلامي في الولايات المتحدة الامريكية انها لا تنطلق من تصور واضح لنصر نهائي ولا من وعد بحسم صراع ما بل من هاجس المنع والتأجيل والاحتواء. كأن الهدف لم يعد الانتصار بل منع الخسارة ولم تعد الغاية توسيع النفوذ بل حماية ما تبقى منه. و هذا التحول في المنطق يكشف ان الولايات المتحدة تدرك ان عالم ما بعد التفوق الاحادي لم يعد افتراضا نظريا بل واقعا يتشكل بالفعل على الارض وفي الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة، ولذلك تتحول الوثيقة الى محاولة ادارة هذا التراجع باقل الخسائر الممكنة.

و تظهر الاستراتيجية الجديدة هاجسا واضحا من الصين ليس فقط كقوة عسكرية صاعدة بل كنموذج بديل لنظام دولي لا تكون فيه واشنطن مركز الجاذبية. القلق هنا ليس من صواريخ ولا من اساطيل فقط بل من فكرة ان تكون هناك قوة قادرة على بناء شبكة تحالفات واقتصادات وسلاسل امداد خارج المظلة الامريكية. هذا ما يجعل لغة الوثيقة اكثر توترا واقل يقينا فهي لا تتحدث عن مواجهة حتمية بل عن منافسة طويلة الامد وعن ضرورة البقاء في حالة استعداد دائم. الاستعداد هنا ليس ثقة بل خوف مؤجل.

اما روسيا فتظهر في الوثيقة كخصم مزمن لا يمكن تجاهله ولا يمكن ايضا القضاء عليه. الحرب في اوكرانيا تحولت من اختبار قوة الى درس قاس حول حدود الردع الغربي وحول قدرة موسكو على الصمود رغم العقوبات والضغط العسكري والسياسي. لذلك تتعامل الاستراتيجية مع روسيا بوصفها مشكلة يجب ادارتها لا حسمها وهو منطق يعكس ادراكا ضمنيا بان الحسم العسكري لم يعد خيارا واقعيا دون كلفة كونية لا تحتمل.

في هذا السياق تصبح الحرب مفهوما مختلفا تماما. لم تعد اعلانا رسميا ولا مواجهة شاملة بل حالة دائمة منخفضة الحدة متعددة الادوات. العقوبات والضغوط الاقتصادية والحروب السيبرانية وحروب المعلومات والدعم غير المباشر للوكلاء كلها تتحول الى بدائل عن المواجهة المباشرة. هذا التحول لا يعكس تطورا اخلاقيا في التفكير العسكري بل اعترافا ضمنيا بالخوف من كلفة الحرب الكبرى. الولايات المتحدة تعرف ان اي مواجهة مباشرة مع قوة كبرى قد تكون بداية لنهاية النظام الذي صاغته بعد الحرب العالمية الثانية.

ويحتل الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني والفضاء الخارجي مكانة مركزية في الوثيقة ليس بوصفها ادوات تفوق بل كخط دفاع اخير امام عالم يفلت من السيطرة. التركيز على التكنولوجيا المتقدمة يعكس ايمانا بان التفوق النوعي قد يعوض التراجع الكمي في النفوذ العالمي. لكنه في الوقت نفسه يعكس خوفا من ان هذه الادوات نفسها قد تصبح بيد الخصوم وتفقد قيمتها الردعية. لذلك تتحدث الوثيقة عن سباق دائم وعن ضرورة منع الخصوم من اللحاق وهو خطاب لا يصدر عن قوة مطمئنة بل عن قوة تخشى ان تفقد ميزتها الاخيرة.

و اللافت ايضا هو الغياب النسبي للشرق الاوسط عن مركز الوثيقة. هذا الغياب لا يعني ان المنطقة خرجت من الحسابات بل انها تحولت من اولوية استراتيجية الى عبء يجب تقليص كلفته. الولايات المتحدة لم تعد ترى في المنطقة ساحة لبناء نظام اقليمي تابع بل مساحة ازمات يجب ادارتها عن بعد وباقل انخراط مباشر ممكن. هذا التحول يعكس ادراكا بان الاستنزاف الطويل في الشرق الاوسط كان احد عوامل تآكل الهيمنة وليس وسيلة لتعزيزها.

ولم تعد التحالفات التي تتحدث عنها الوثيقة تحالفات قيم ومصير مشترك بل ترتيبات مصلحية مرنة هدفها تقاسم الكلفة لا توسيع المشروع. حتى الخطاب حول الديمقراطية وحقوق الانسان يتراجع لصالح لغة الامن والاستقرار ومنع الخصوم من ملء الفراغ. هذا التحول الخطابي يعكس خوفا من ان التمسك بالشعارات القديمة لم يعد مقنعا للحلفاء ولا رادعا للخصوم.

كما تكشف الوثيقة عن ازمة داخلية غير معلنة. فالحديث عن الجاهزية وعن تحديث الجيش وعن معالجة نقاط الضعف اللوجستية والبشرية يشير الى ان القوة العسكرية الامريكية نفسها ليست في وضع مثالي. الاستقطاب السياسي الداخلي وتراجع الثقة في المؤسسات والضغوط الاقتصادية كلها عوامل تجعل من الصعب خوض صراعات طويلة دون ثمن داخلي مرتفع. لذلك تبدو الاستراتيجية كعقد بين المؤسسة العسكرية والنخبة السياسية على تجنب المغامرات الكبرى.

ويبدو ان استراتيجية 2026 في جوهرها تعكس قناعة بان العالم لم يعد قابلا للقيادة من مركز واحد. لكنها بدل ان تعترف بذلك صراحة وتحاول التكيف معه عبر شراكات حقيقية تفضل ان تدير هذا التحول بمنطق المنع والتأجيل. الخوف هنا ليس فقط من الخصوم بل من الاعتراف بان زمن الهيمنة الاحادية قد انتهى. ولذلك تتحول الوثيقة الى محاولة تثبيت اللحظة لا صناعة المستقبل.

واللافت ان استراتيجية الخوف هذه قد تنجح مرحليا في منع الانفجار لكنها تحمل في داخلها بذور ازمة اكبر. فادارة التراجع دون الاعتراف به غالبا ما تقود الى قرارات متناقضة والى حروب بالوكالة والى سباقات تسلح غير منضبطة. العالم الذي تراه هذه الوثيقة ليس عالما يسير نحو استقرار جديد بل نحو توازن هش قائم على الردع المتبادل والخشية المتبادلة.

وفي النهاية لا تقول وثيقة الاستراتيجية الحربية الامريكية الجديدة ان الولايات المتحدة ضعيفة لكنها تقول بوضوح انها لم تعد مطمئنة. وهذا الفرق بين قوة تصنع التاريخ وقوة تحاول فقط ان لا تسقط من صفحاته.

Related posts

الطريق ..

root

الافتتاحية / حتى نحافظ على قيم رمضان

صابر الحرشاني

 لسعد الذوادي: هكذا يمكن اجتثاث المحتكرين وممارسي كل أصناف الجرائم الاقتصادية و الجبائية …

root