أعاد التصريح الذي كشف عنه النائب بالبرلمان الطاهر بن منصور بشأن توفير ديوان تربية الماشية لـ350 رأس غنم فحسب خلال موسم عيد الاضحى طرح اسئلة حادة حول القدرة على التدخل في السوق وضبط الاسعار في الفترات الحساسة.
و نقل عضو لجنة الفلاحة الطاهر بن منصور عن ديوان تربية الماشية ان هذه المؤسسة استطاعت خلال الموسم الحالي انتاج عدد قليل من الاضاحي، معتبرا انه مؤشر واضح على تقلص الدور التعديلي للديوان وعجزه عن مواكبة حاجيات السوق الوطنية.
و في كل موسم عيد تبرز المطالب الشعبية بتدخل الدولة من خلال توفير الاضاحي باسعار مقبولة للتخفيف من الضغط المسلط على العائلات محدودة الدخل، غير ان الحديث عن 350 رأسا فحسب جعل النقاش ينتقل من مستوى الاسعار الى مستوى القدرة على الحضور داخل السوق، فالعدد يبدو رمزيا مقارنة بحجم الطلب الوطني الذي يقدر بمئات آلاف الاضاحي سنويا، ما جعل كثيرين يعتبرون ان الديوان لم يعد يمتلك الامكانيات التي تخول له لعب دور فعلي في تعديل السوق.
ويعكس هذا الوضع تحولا تدريجيا عاشته مؤسسات التدخل الاقتصادي خلال السنوات الاخيرة، فالديوان الذي كان يمثل في فترات سابقة احد الادوات التي تعتمدها الدولة لضبط التوازن بين العرض والطلب، بات عاجزا حتى عن توفير اعداد ذات تاثير ولو صغير داخل السوق، ومع كل موسم تتوسع الهوة بين الانتظارات الشعبية وقدرة الهياكل العمومية على الاستجابة.
كما ان الرقم الصادر هذه السنة يحمل دلالة اخرى تتجاوز مناسبة عيد الاضحى، فهو يعكس حجم التراجع الذي اصاب منظومة تربية الماشية عموما، سواء على مستوى الانتاج او التخزين او التمويل. والحقيقة ان ديوان تربية الماشية لا يشتغل بمعزل عن القطاع، وعندما يفقد القطاع قدرته على النمو والاستقرار يصبح التدخل محدودا وضعيفا.
كيف فقد الديوان قدرته؟
ويبدو أن الاسباب التي قادت الى هذا الوضع متشابكة وتتراكم منذ سنوات، و أولها يتعلق بالامكانيات المالية، فديوان تربية الماشية يحتاج الى موارد ضخمة حتى يتمكن من شراء اعداد كبيرة من الاضاحي وتخزينها وتسويقها باسعار تنافسية، غير ان الصعوبات المالية التي تواجهها المؤسسات العمومية قلصت قدرة الديوان على التدخل، خاصة في ظل ارتفاع اسعار الاعلاف والماشية والنقل.
كما ان تقلص القطيع الوطني اثر بشكل مباشر على قدرة الديوان على التزود، فمربي الاغنام كما هو معلوم يعيش منذ سنوات تحت ضغط متواصل بسبب الجفاف وارتفاع كلفة التربية وتراجع هامش الربح، كما ان كثير من صغار المربين اضطروا الى بيع اناث الاغنام او تقليص نشاطهم بسبب الخسائر، ما انعكس على حجم الانتاج الوطني وعلى توفر الاضاحي.
ومن جهة اخرى، يرى نواب أن ضعف التخطيط ساهم في تعميق الازمة، فالتعامل مع ملف الاضاحي يتم غالبا بشكل موسمي وقريب من موعد العيد، بينما يحتاج القطاع الى استراتيجية تمتد على مدار السنة تشمل دعم المربين وتحسين انتاج الاعلاف وتطوير مسالك التوزيع، و بالتالي فان غياب هذه الرؤية يجعل من تدخل الديوان محدودا ورد فعل اكثر منه سياسة استباقية.
والى جانب ذلك تبرز ايضا مشكلة المضاربة داخل الاسواق، فحتى عندما تبرز نوايا للتدخل، تبقى السوق خاضعة لشبكات الوسطاء الذين يتحكمون في مسالك البيع والتوزيع ، وهذا الواقع يجعل اي كميات توفرها الدولة غير قادرة على احداث تاثير فعلي اذا لم تكن كبيرة بما يكفي لفرض توازن جديد داخل السوق.
كما ان ضعف البنية اللوجستية يمثل عائقا اضافيا، فتوفير الاضاحي لا يتعلق بشراء الخرفان فحسب، بل يحتاج الى فضاءات ايواء ونقل ومراقبة صحية وتنظيم عمليات البيع، و هذه المنظومة تتطلب استثمارات ضخمة وتنسيقا بين عدة هياكل، وهو ما يبدو انه تراجع خلال السنوات الاخيرة.
ازمة هيكلية وحلول مؤجلة
ولا يرتبط العجز الحالي بموسم عيد الاضحى فحسب، بل يكشف ازمة اعمق داخل السياسات الفلاحية والاقتصادية، فالدولة فقدت تدريجيا قدرتها على بناء مخزون تعديلي قادر على التدخل في الاسواق، ومع تراجع الانتاج الوطني وارتفاع الكلفة اصبح دورها اقرب الى المتابعة منه الى التاثير الحقيقي.
و الاهم من التشخيص أن الحلول الممكنة لا تبدو مستحيلة لكنها تحتاج الى خيارات واضحة وطويلة المدى، اولها حسب الخبراء اعادة هيكلة ديوان تربية الماشية ومنحه امكانيات مالية ولوجستية اكبر حتى يتحول الى فاعل حقيقي داخل السوق، فمؤسسة لا تستطيع توفير سوى 350 رأسا خلال موسم يشهد طلبا ضخما لن تكون قادرة على تعديل الاسعار او كبح المضاربة.
كما تبدو الحاجة مؤكدة لان تصيغ وزارة الفلاحة خطة وطنية لدعم المربين الصغار باعتبارهم الحلقة الاساسية في الحفاظ على القطيع الوطني، و ان تضاعف الحهود في توفير الاعلاف المدعمة وتحسين التمويل الفلاحي والتامين ضد الجفاف عوامل قد تساعد على استقرار الانتاج اضافة الى تشجيع المربين على مواصلة النشاط بدل مغادرته.
ومن الضروري كذلك مزيد تطوير انتاج الاعلاف محليا لتقليص التبعية للتوريد، فجزء مهم من ازمة الماشية في بلادنا مرتبط بارتفاع اسعار المواد العلفية المستوردة، و كل اضطراب عالمي في الاسعار ينعكس مباشرة على تكلفة الاضاحي واللحوم، ما يجعل السوق المحلية رهينة للتقلبات الخارجية.
كما يمكن للدولة مستقبلا و في السنوات المقبلة ان تعتمد منظومة شراء مبكر للاضاحي بالتنسيق مع المربين، بما يسمح بتكوين مخزون تدريجي قبل فترة العيد. و هذا الاجراء قد يخفف الضغط الموسمي ويمنح الديوان قدرة اكبر على التحكم في الاسعار والكميات.
كما تمثل الاسواق المنظمة بدورها جزءا من الحل، ذلك ان تنظيم مسالك البيع والحد من هيمنة الوسطاء يمكن ان يقلص الفارق الكبير بين سعر البيع لدى المربي والسعر النهائي لدى المواطن، كما ان الرقابة الرقمية على حركة البيع والتوزيع قد تساعد على الحد من المضاربة والاحتكار.
