بعد الجمود…مراسلة المالية للاتحاد تعيد الحوار؟

اعادت المراسلة التي وجهتها وزارة المالية إلى الاتحاد العام التونسي للشغل بخصوص تقديم مقترحاته حول مشروع قانون المالية وميزانية 2027 طرح التساؤلات بشأن طبيعة المرحلة الجديدة التي تتشكل بين المنظمة الشغيلة والوظيفة التنفيذية.

ويبدو ان المعطى الجديد يتجاوز منطق الإجراء الإداري ضمن التحضيرات السنوية للميزانية، و يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة في توقيت دقيق تعيش فيه البلاد ضغوطا مالية واجتماعية متواصلة.

و وفق المعطيات المتداولة داخل الأوساط النقابية، شرع قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد في التفاعل مع المراسلة وإعداد تصوراته ومقترحاته المرتبطة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية المنتظر تضمينها في قانون المالية القادم، حيث اعاد هذا التفاعل الحديث عن احتمال عودة قنوات التواصل المؤسساتي بين الطرفين بعد فترة اتسمت بالفتور وبتراجع نسق الحوار حول الملفات الاقتصادية الكبرى.

و للتذكير فان طبيعة العلاقة بين الوظيفة التنفيذية والمنظمة الشغيلة ظلت دائما عاملا مؤثرا في المناخ العام ، وذلك بحكم الوزن الاجتماعي للاتحاد وحضوره داخل الوظيفة العمومية والقطاع العام والعديد من القطاعات الحيويةو لذلك فإن أي إشارة إلى استئناف التشاور أو توسيع دائرة التفاعل بين الجانبين تحظى بمتابعة واسعة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية التي تتطلب قدرا من الاستقرار والتنسيق.

ويبدو أن ملف قانون المالية تحديدا يفرض على مختلف الأطراف البحث عن مساحات تقاطع وتفاهم، باعتباره الوثيقة التي تحدد توجهات الدولة الاقتصادية والاجتماعية لسنة كاملة، فكل الخيارات المتعلقة بالجباية والدعم والأجور والاستثمار والإنفاق العمومي تنعكس مباشرة على المناخ الاجتماعي وعلى القدرة الشرائية وعلى أوضاع المؤسسات.

كما أن السنوات الأخيرة أظهرت أن تمرير الإصلاحات الاقتصادية الكبرى دون حد أدنى من التشاور يزيد من صعوبة تنفيذها ميدانيا، و لذلك تبدو العودة إلى آليات الإنصات وتبادل التصورات محاولة لإدارة الملفات الحساسة بهدوء أكبر وتفادي مناخات التوتر التي أثرت سابقا على عدة قطاعات.

 

قانون مالية تحت ضغط التوازنات الصعبة

 

الرهانات المطروحة أمام ميزانية 2027 تبدو معقدة، لأن الحكومة ستكون مطالبة بمواصلة التحكم في التوازنات المالية للدولة، وفي الوقت نفسه مواجهة الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالأسعار والتشغيل والخدمات العمومية، حيث تجعل هذه المعادلة أي نقاش حول قانون المالية محل اهتمام مباشر من المنظمات الوطنية والفاعلين الاقتصاديين.

ومن جهته يمتلك الاتحاد تقليديا رؤية تركز على حماية القدرة الشرائية والمحافظة على دور الدولة الاجتماعي، خاصة في ملفات الدعم والأجور والمؤسسات العمومية. لذلك فإن مساهمته المنتظرة في النقاش قد تعيد إلى الواجهة مقترحات مرتبطة بالإصلاح الجبائي ومقاومة الاقتصاد الموازي والتهرب الضريبي وتحسين استخلاص موارد الدولة و هي الرؤية التي تتقاطع مع توجيهات رئيس الجمهورية

وفي المقابل تبدو الحكومة مطالبة بمراعاة تعقيدات الوضع المالي، خاصة مع ارتفاع كتلة الأجور وكلفة الدعم والحاجة إلى تعبئة موارد إضافية لتمويل الميزانية، ويفرض هذا الواقع البحث عن توازنات دقيقة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية، وتبرز هنا أهمية الحوار التقني والمؤسساتي بعيدا عن منطق التصعيد، فوجود قنوات تواصل حول الخيارات الاقتصادية قد يساعد على تقريب وجهات النظر وتخفيف مناخ الاحتقان، حتى وإن استمرت الاختلافات بشأن بعض الملفات الكبرى.

كما أن تشريك المنظمات الوطنية في مراحل إعداد التصورات الاقتصادية يمنح القرارات قدرا أكبر من القبول ويقلل من منسوب المفاجآت السياسية والاجتماعية.

وتوحي المؤشرات الحالية أيضا بأن الاتحاد يسعى إلى تثبيت حضوره داخل النقاش الاقتصادي من زاوية المقترحات والدراسات، وليس فقط من زاوية الاحتجاج والدفاع القطاعي، وهذا التحول يكتسي أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تصورات عملية حول النمو والاستثمار والتشغيل والعدالة الجبائية.

كماما أن الحكومة تبدو مدركة لضرورة تهدئة المناخ الاجتماعي في مرحلة تتطلب تركيز الجهود على الملفات الاقتصادية والمالية. فكل توتر اجتماعي واسع ينعكس مباشرة على الاستثمار والإنتاج وصورة البلاد الاقتصادية، لذلك فإن الحفاظ على حد أدنى من التواصل مع المنظمات الكبرى يمثل عاملا مهما للاستقرار.

وقد اظهرت التجارب السابقة بين الحكومات المتعاقبة والاتحاد أن العلاقة تمر غالبا بين مرحلتين وهي التوتر عند طرح الملفات الاجتماعية الحساسة، ثم العودة إلى طاولة التفاوض عندما تفرض الضرورات الاقتصادية البحث عن حلول مشتركة، غير أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة نسبيا بحكم حجم التحديات الاقتصادية التي تجعل هامش المناورة محدودا أمام جميع الأطراف.

فالبلاد تواجه ضغوطا مرتبطة بالنمو والاستثمار والمديونية والتشغيل، وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بمنطق سياسي أو ظرفي، و لذلك يبدو أن الحاجة تتجه نحو بناء علاقة أكثر براغماتية تقوم على إدارة الخلافات ضمن أطر تفاوضية ومؤسساتية بدل نقلها مباشرة إلى الشارع أو إلى مناخات القطيعة.

ولا يعني هذا المسار بالضرورة اختفاء التباينات بين الحكومة والاتحاد، فلكل طرف أولوياته وحساباته، غير أن وجود أرضية حوار حول الملفات الكبرى يظل أفضل من إدارة العلاقة بمنطق الصدام المفتوح، خاصة في ظل الأوضاع الاجتماعية الحالية التي تتطلب قدرا من الاستقرار والثقة.

كما أن النقاش المبكر حول ميزانية 2027 قد يسمح بطرح تصورات أكثر واقعية بشأن الإصلاحات الممكنة وحدودها الاجتماعية.د، فالإصلاحات الاقتصادية التي لا تراعي القدرة الشرائية ومناخ المؤسسات العمومية تواجه عادة صعوبات كبيرة عند التنفيذ، في حين أن غياب الإصلاح بدوره يفاقم الضغوط على المالية العمومية.

وتبدو الرسالة الأهم في هذا السياق مرتبطة بعودة العمل المؤسساتي داخل إدارة الملفات الاقتصادية، فحين تتبادل الحكومة والمنظمات الوطنية المقترحات والدراسات ضمن قنوات رسمية، يصبح النقاش أقرب إلى البحث عن حلول عملية منه إلى تبادل المواقف السياسية الحادة.

ويمكن القول أن المراسلة الموجهة من وزارة المالية إلى الاتحاد تفتح في العمق بابا جديدا للنقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة في العلاقة بين الطرفين، وبين الحاجة إلى الاستقرار الاجتماعي ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي، تبدو بلادنا أمام محاولة لإعادة بناء مساحة تواصل تسمح بإدارة الملفات الثقيلة بهدوء أكبر، في انتظار ما ستكشفه الفترة المقبلة من مواقف وخيارات فعلية على أرض الواقع.

 

Related posts

وفاة مسنّة صدمها القطار بسوسة

Na Da

إبرام اتفاقية بهدف تحسين منظومة النقل المدرسي في المناطق الريفية بالمهدية

Na Da

اليوم: نزول بعض الأمطار المتفرقة

ichrak