قانون المالية بين الشعبوية والنجاعة: هل يتعلم البرلمان من درس 2026؟

بينما تتواصل التحضيرات الخاصة بمشروع قانون المالية لسنة 2027 صلب الحكومة، ما تزال الأوامر الترتيبية المتعلقة بعدد من الفصول التي أضيفت خلال مناقشة قانون المالية لسنة 2026 غائبة عن الرائد الرسمي، رغم مرور أشهر على المصادقة عليها.
ويفتح هذا المعطى باب التساؤل حول جدية بعض التعديلات التي اقترحها النواب العام الماضي، وحول مدى استنادها إلى دراسات فعلية وقدرتها على التحول إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

فصول صادق عليها البرلمان… وتوقفت عند عتبة التنفيذ

وخلال مناقشة قانون المالية لسنة 2026، شهد مجلس نواب الشعب زخما كبيرا في تقديم المقترحات والتعديلات، ونجح عدد من النواب في تمرير فصول إضافية حظيت بالدعم داخل الجلسة العامة ماجعل قانون المالية يقفز من 54 الى 110 فصول، غير أن المصادقة البرلمانية لا تمثل سوى مرحلة من مراحل صناعة السياسة المالية، إذ يقتضي تطبيق العديد من الأحكام و إصدار أوامر ترتيبية تحدد شروط التنفيذ وآلياته.
وإذا كانت هذه الأوامر لم تصدر إلى اليوم بالنسبة إلى عدد من الفصول، فإن ذلك يطرح احتمال عبرت عنه الحكومة منذ ديسمبر 2025 مفاده أن تلك المقترحات اصطدمت لاحقا بصعوبات قانونية مالية و تقنية، و لم تكن منذ البداية مدعومة بدراسة كافية تضمن قابليتها للتطبيق،حيث يجد المواطن نفسه أمام نصوص بقيت حبرا على ورق رغم ما رافقها من وعود وانتظارات.

لحظة الحقيقة المبكرة

و بحسب مقتضيات القانون الأساسي للميزانية، تستعد وزارة المالية خلال الفترة القادمة لتوجيه الوثيقة التوجيهية المتعلقة بتنفيذ ميزانية السنة الجارية خلال الأشهر الستة الأولى، إلى جانب عرض الفرضيات الاقتصادية والمالية الكبرى التي ستبنى عليها ميزانية 2027.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة لأنها تمثل الانطلاقة الفعلية للمسار الميزانياتي الجديد، حيث تتحدد هوامش التحرك المالية للدولة وتبرز الإمكانيات الحقيقية المتاحة للإنفاق والاستثمار والدعم والتأجير.
كما توفر للنواب معطيات موضوعية تساعدهم على تقييم المقترحات قبل تحويلها إلى نصوص قانونية.
ومن المفترض أن تشكل هذه الوثائق مرجعا أساسيا للنقاش البرلماني المقبل، حتى لا تتحول جلسات مناقشة قانون المالية إلى ساحة للتنافس على إطلاق الوعود أو اقتراح إجراءات يصعب تنزيلها على أرض الواقع.

استعادة الثقة تمر عبر الواقعية لا عبر التصويت

ومن بين أحد أخطر آثار تمرير فصول غير قابلة للتنفيذ والاكثر من تعطل تطبيقها، ما تتركه من انطباع سلبي لدى الرأي العام. فالمواطن الذي يسمع بإجراءات جديدة أو امتيازات أو إعفاءات ثم يكتشف بعد أشهر أنها لم تدخل حيز التطبيق، يصبح أكثر تشككا في جدوى النقاشات البرلمانية وفي قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها.
لذلك تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تغيير منهجية التعامل مع قوانين المالية، فنجاح النائب لا يقاس بعدد الفصول التي يمررها أو بعدد التعديلات التي يصوت عليها المجلس، وإنما بمدى قدرة تلك المقترحات على الصمود أمام اختبار التنفيذ، كما أن جودة التشريع ترتكز على القدرة على إنتاج أثر فعلي وملموس في حياة المواطنين.
ومع اقتراب انطلاق مناقشات ميزانية 2027، يجد البرلمان نفسه أمام فرصة لتجاوز أخطاء التجربة السابقة. فالرهان الحقيقي ليس إضافة أكبر عدد من الفصول، وإنما المساهمة في بناء ميزانية متماسكة وقابلة للتطبيق، تحترم التوازنات المالية للدولة وتقدم للمواطن ما يمكن إنجازه فعلا لا ما يمكن تسويقه سياسيا فالثقة في المؤسسات لا تبنى بالتصويت وحده، وإنما بما يتحقق بعد انتهاء التصويت.

Related posts

سعيد: “الانتخابات ليست حربا والدوائر المرتمية في أحضان اللوبيات المرتبطة بجهات خارجية لا تقوم بحملة انتخابية بل بحملة مسعورة ضد الدولة وضد الشعب”

Na Da

صادق عليه البرلمان اليوم…هذه تفاصيل قانون المجالس

صابر الحرشاني

15 شهرا سجنا لراشد الغنوشي