الحد من الظاهرة مسؤولية مشتركة…تفشي المخدرات و الحقائق المخفية

 صابر الحرشاني

لا يحتاج التونسي اليوم إلى انتظار تقرير رسمي حتى يدرك أن المخدرات أصبحت من أكثر القضايا حضورا في المشهد الأمني والقضائي فيكفي الاطلاع على البلاغات اليومية الصادرة عن الوحدات الأمنية، أو متابعة جلسات المحاكم، أو الإنصات إلى ما ترويه العائلات، حتى تتشكل صورة مقلقة عن اتساع هذه الظاهرة.

وأمام هذا الواقع، يصبح من الضروري طرح الأسئلة الصحيحة فنجاح الأجهزة الأمنية في إحباط عمليات التهريب أو إيقاف المروجين يمثل إنجازا لا خلاف حول أهميته، لكنه لا يغلق الملف فكل شبكة يقع تفكيكها تثير سؤالا عن الشبكة التي سبقتها وتلك التي قد تحاول تعويضها، وكل شحنة يتم حجزها تدل على وجود طلب داخل السوق المحلية، لأن تجارة بهذا الحجم لا يمكن أن تستمر دون مستهلكين ودون قنوات توزيع وأموال تتدفق باستمرار.

ولا تدور هذه المعركة في المناطق الحدودية فحسب، ولا داخل الأحياء التي ارتبط اسمها بالجريمة، وإنما تمتد إلى الفضاءات التي يفترض أن تكون الأكثر أمنا وعلى رأسها المدارس، والجامعات، والمقاهي، والفضاءات الرياضية، وحتى بعض المناسبات الخاصة، أصبحت جميعها أماكن تسعى شبكات الترويج إلى النفاذ إليها بطرق مختلفة ولذلك فإن التعامل مع المخدرات باعتبارها قضية تخص الأجهزة الأمنية وحدها يحجب جانبا مهما من الصورة.

واللافت أن شبكات الاتجار تغير أساليبها بوتيرة سريعة ففي السابق كان المروج معروفا داخل الحي أو المنطقة، أما اليوم فقد أصبحت وسائل الاتصال الحديثة توفر قدرا أكبر من السرية، واختفت كثير من طرق التواصل التقليدية ليحل محلها فضاء رقمي يصعب تتبعه بالوسائل القديمة وهذا التحول يفرض تطوير أدوات المكافحة حتى تظل قادرة على مجاراة الأساليب الجديدة التي تعتمدها العصابات.

وهناك حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن تجارة المخدرات تتحرك بعقلية المستثمر الذي يبحث عن توسيع قاعدة الحرفاء. لذلك تركز هذه الشبكات على الفئات العمرية الأصغر، لأن استدراج المراهق أو الطالب يضمن استهلاكا يمتد سنوات، ويخلق بدوره مستهلكين جددا داخل محيطه الاجتماعي. ولهذا السبب تتكرر التحذيرات من محيط المؤسسات التربوية والجامعية، حيث يسهل استغلال الفضول، وضغط الأصدقاء، والرغبة في التجربة.

ولم تعد الخلفية الاجتماعية أو المستوى التعليمي يشكلان حاجزا أمام هذه الظاهرة. فالقضايا المنشورة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الإدمان وصل إلى فئات مختلفة، وهو ما يفسر اتساع دائرة القلق داخل المجتمع فالعائلات التي كانت تعتقد أن أبناءها بعيدون عن هذا الخطر أصبحت أكثر انتباها، لأن المخدرات لم تعد ترتبط بصورة نمطية واحدة، بل تغيرت أشكالها وطرق ترويجها والفئات التي تستهدفها.

جانب آخر يستحق الاهتمام يتعلق بالأموال التي تدور داخل هذا النشاط فالأرباح الضخمة التي تحققها شبكات الاتجار تسمح لها بتجديد وسائلها، واستقطاب عناصر جديدة، والبحث عن مسالك مختلفة للتهريب والتوزيع و لذلك فإن تجفيف منابع التمويل يكتسب أهمية لا تقل عن أهمية حجز الشحنات. وتتبع حركة الأموال المشبوهة، ومراقبة مظاهر الثراء غير المبرر، يمثلان جزءا من المواجهة مع هذا النوع من الجريمة المنظمة.

و قد قدمت القضايا التي كشفت عن تورط أشخاص ينتمون إلى أوساط مهنية واجتماعية مختلفة بدورها مؤشرا على طبيعة التحول الذي تعرفه هذه التجارة فالشبكات تبحث دائما عن الأشخاص القادرين على تسهيل تحركاتها أو إخفاء نشاطها أو توفير غطاء يساعدها على الإفلات من الرقابة. لذلك فإن تطبيق القانون بالقدر نفسه من الصرامة على جميع المتورطين يظل شرطا أساسيا لترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة.

داخل الأسرة تبدأ أولى حلقات الوقاية. فالأب أو الأم هما الأكثر قدرة على ملاحظة التغيرات التي تطرأ على سلوك الأبناء، سواء تعلق الأمر بالعزلة المفاجئة، أو اضطراب الدراسة، أو تبدل دائرة العلاقات، أو الإنفاق غير المبرر. والانتباه المبكر إلى هذه المؤشرات قد يمنع تطور المشكلة إلى مرحلة يصبح علاجها أكثر تعقيدا.

أما المؤسسة التربوية، فهي مطالبة بأكثر من أداء وظيفتها التعليمية. فالإحاطة النفسية، والأنشطة الثقافية، والرياضة المدرسية، والمتابعة الاجتماعية، عناصر تساعد على حماية التلميذ من الفراغ ومن التأثيرات السلبية التي قد يتعرض لها خارج أسوار المدرسة. كما أن وجود مختصين في الإرشاد النفسي والاجتماعي أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه الناشئة.

ويقود الحديث عن الوقاية الضرورة إلى الإعلام. فالمعالجة الإعلامية مطالبة بالابتعاد عن الإثارة التي ترافق بعض القضايا، والاتجاه نحو تقديم معرفة حقيقية بخطورة الإدمان، وآثاره الصحية والنفسية، والانعكاسات التي يتركها على الأسرة وعلى المجتمع. فالمتلقي يحتاج إلى تفسير الظاهرة بقدر حاجته إلى معرفة تفاصيل العمليات الأمنية.

وتظل الفضاءات الثقافية والرياضية من الوسائل التي تمنح الشباب فرصة لبناء مشاريعهم الشخصية بعيدا عن مسالك الانحراف. فكل استثمار في النوادي الرياضية، أو في دور الثقافة، أو في المبادرات الشبابية، يفتح أمام المراهقين مجالات للتعبير عن طاقاتهم، ويمنحهم شعورا بالانتماء، ويقلص من فرص استدراجهم إلى دوائر التعاطي.

كما يؤدي القانون دورا حاسما في هذه المواجهة. فالعقوبات الرادعة، وسرعة الفصل في القضايا، وملاحقة الرؤوس المدبرة، تمثل رسائل واضحة إلى كل من يعتقد أن الأرباح التي تحققها هذه التجارة أكبر من كلفتها القانونية. وفي المقابل، يحتاج المدمن الذي يرغب في العلاج إلى مسار صحي واجتماعي يساعده على استعادة حياته، لأن تركه دون مرافقة يرفع احتمال العودة إلى التعاطي.

وتحتاج بلادنا كذلك إلى قاعدة بيانات دقيقة تجمع مختلف المؤشرات المتعلقة بالمخدرات، حتى تبنى السياسات العمومية على معطيات علمية، تشمل طبيعة المواد الأكثر انتشارا، والفئات العمرية المستهدفة، والجهات الأكثر عرضة، وأساليب الترويج المتجددة. فالمعرفة الدقيقة بطبيعة الظاهرة تسبق دائما نجاح أي سياسة للمكافحة.

 

Related posts

دخول المنصة الرقمية المخصصة للتحقق الالكتروني من الشهادات الجامعية الصادرة عن جامعة قرطاج حيز العمل

صابر الحرشاني

وزير التربية: 2026 ستكون سنة المطالعة

صابر الحرشاني

انقلاب شاحنة تقل عاملات فلاحيات يتسبب في وفاة طفلة وإصابة 10 اخرين

Na Da