هل أنهت موجة الحر الحشرة القرمزية؟

صابر الحرشاني

على امتداد السنوات الأخيرة، تحولت الحشرة القرمزية إلى أحد أخطر أعداء التين الشوكي في بلادنا، بعدما اجتاحت مساحات واسعة من هذا النبات وألحقت أضرارًا كبيرة بالإنتاج .

وقد بلغ انتشارها في بعض المناطق حدّا جعلها تبدو وكأنها قوة لا يمكن إيقافها، لكن خلال الايام الاخيرة برزت شهادات ميدانية لافتة من بعض الفلاحين مفادها ان الحشرة القرمزية التي فتكت بالتين الشوكي اختفت أو تراجعت بشكل كبير بعد موجات الحر الشديد.

و اثارت تلك الشهادات الاولية سؤالا ما ان كنا أمام مجرد تراجع مؤقت في أعداد الحشرة، أم أن الحرارة المرتفعة قامت بما عجزت عنه وسائل المكافحة الأخرى، وقضت فعلا على الحشرة القرمزية.

الحرارة عدو محتمل للحشرة

ومن الناحية العلمية فان الحشرة القرمزية المعروفة باسم Dactylopius opuntiae  ليست قادرة على تحمل جميع درجات الحرارة بنفس الكفاءة، وتؤكد الدراسات المخبرية أن المجال الحراري بين 26 و32 درجة مئوية يوفر ظروفًا مناسبة لبقائها وتطورها وتكاثرها، بينما تؤدي درجات الحرارة الأعلى إلى اضطراب واضح في دورة حياتها،وهذه المعطيات تجعل شهادات الفلاحين جديرة بالاهتمام العلمي.

فموجة حر شديدة لا تعني فقط ارتفاع درجة الحرارة إلى أرقام قياسية؛ بل يمكن أن تعني تعرض مستعمرات الحشرة على الأسطح المكشوفة لأحمال حرارية وإشعاع شمسي قوية لساعات طويلة، وفي هذه الظروف يمكن أن تتضرر وتتراجع قدرة الحشرات الباقية على التكاثر.

و بحسب الخبراء تعيش الحشرة القرمزية في مستعمرات كثيفة فوق ألواح التين الشوكي. وعندما تنهار هذه المستعمرات بسبب الحرارة أو الجفاف أو عوامل أخرى، تختفي العلامات البيضاء المميزة لها بسرعة نسبيا وهذا قد يعطي الفلاح انطباعا بأن الحشرة انتهت بالكامل.

لكن بقاء عدد قليل من الأفراد في أماكن محمية، أو بقاء مراحل أقل تعرضا للحرارة، قد يكون كافيا لإعادة بناء المستعمرة لاحقا،ولهذا فإن الملاحظة الأكثر أهمية ليست أن الحشرة اختفت بعد موجة الحر مباشرة، وإنما: هل ستبقى غائبة بعد مرور أسابيع وأشهر؟

وكانت الحشرة القرمزية و لا تزال تمثل خطرا حقيقيا على التين الشوكي في تونس حتى السنوات الأخيرة، ففي جويلية الماضي تحدثت التقارير عن تراجع كبير في إنتاج التين الشوكي بسبب انتشار الحشرة، كما استمرت جهود المكافحة والبحث عن أصناف مقاومة حيث تسهر وزارة الفلاحة على تنفيذ ورش علمية حول نتائج جمع وانتقاء وإكثار أصناف التين الشوكي المقاومة للحشرة القرمزية، وهو ما يؤكد أن التعامل مع الآفة لا يزال قائما على البحث والمكافحة والاستصلاح، وليس على اعتبارها مشكلة انتهت.

وإذا كانت موجة الحر في هذا الصيف قد تسببت فعلا في انهيار واسع لأعداد الحشرة، فإن الأمر يستحق توثيقا ميدانيا وعلميا عاجلا.

و يؤكد خبراء الفلاحة ان التجارب العلمية لا تسمح لنا بالقول إن مجرد وصول حرارة الجو إلى 40 أو 45 درجة مئوية يعني أن الحشرة ستموت بالكامل، فدرجة حرارة الهواء ليست بالضرورة درجة الحرارة التي تتعرض لها كل حشرة، كما أن المستعمرات قد تحتوي على مناطق أكثر حماية من الإشعاع المباشر.

ومن جهة أخرى، أظهرت دراسة ميدانية حديثة حول المكافحة المتكاملة لـلحشرة القرمزية أن مناطق انتشارها يمكن أن تشهد درجات حرارة صيفية تصل إلى 40–45 درجة مئوية، ما يعني أن وجود مثل هذه الحرارة في البيئة الطبيعية لا يكفي، بمفرده، لإثبات استئصال الحشرة، فالحرارة يمكن أن تكون عامل ضغط قوي على الحشرة، لكنها ليست حتى الآن وسيلة مثبتة لاستئصالها من الحقول.

الشهادات الميدانية لا ينبغي تجاهلها

مع ذلك، سيكون من الخطأ العلمي أيضا رفض شهادات الفلاحين باعتبارها مجرد انطباعات، ذلك ان الفلاح الذي يراقب حقله يوميا يستطيع أن يلاحظ تغيرا لا تلتقطه الدراسات المخبرية بسهولة على غرار وجود مستعمرات كانت تغطي الألواح ثم اختفت، وحشرات كانت تنتشر بسرعة ثم انقطعت، أو نباتات كانت مغطاة بالقرمزية ثم أصبحت خالية منها، فإذا تكررت هذه الملاحظات في مناطق مختلفة من تونس، وفي ظروف حرارية متشابهة، فإننا أمام إشارة ميدانية مهمة جدًا.

والأفضل هو تحويل هذه الشهادات إلى بيانات تشمل تحديد المنطقة، ودرجة الحرارة، ومدة موجة الحر، وحالة النبات قبلها وبعدها، ثم إعادة فحص النباتات بعد أسبوعين وشهر وشهرين.

وإذا كانت الحرارة قد قضت فعلا على الجزء الأكبر من الحشرة، فإن الأشهر التالية ستكون حاسمة.

ويخلص الخبراء الى الاشارة الى وجود ثلاثة سيناريوهات محتملة، اولها أن تختفي الحشرة تماما ولا تعود، وهو ما سيكون اكتشافا استثنائيًا ويستحق دراسة علمية عاجلة، و ثانيها ان تنخفض أعدادها بشدة ثم تعود تدريجيًا، وهذا يعني أن موجة الحر سببت انهيارا سكانيا مؤقتًا لكنها لم تستأصلها، و اخرها ان تختفي من المناطق المكشوفة لكنها تعود من بؤر صغيرة أو من مناطق مجاورة، وهو سيناريو محتمل جدا بالنسبة لحشرة قادرة على إعادة بناء مستعمراتها.

Related posts

الحرس الديواني بالقصرين يحجز 10 صفائح من القنب الهندي

Ra Mzi

ارتفاع قيمة الصادرات في قطاع النسيج والملابس

وزيرة التجهيز خلال جلسة برلمانية: “مهمات التفقد تشتغل طيلة العام وكل من يثبت ضلوعه في الفساد يتحمل مسؤوليته”

Na Da