جبال العيون من الصمت إلى صوت شعبي: مسيرة حملة وطنية لإنقاذ ثروة غابية تتواصل من الميدان إلى المؤسسات

العيون – القصرين

لم تعد قضية جبال العيون مجرد ملاحظات متفرقة حول وضع الغطاء الغابي والبيئة بالمنطقة، بل تحولت، منذ انطلاق “الحملة الوطنية لإنقاذ جبال العيون”، إلى ملف شعبي متكامل حمله المواطنون من الميدان إلى الإدارة، ومن المراسلات الرسمية إلى المطالبة بالمساءلة، وصولًا إلى إطلاق عريضة شعبية تجاوزت مئات الإمضاءات، ثم فتح باب الإمضاء الإلكتروني أمام المواطنين من مختلف جهات الجمهورية.

الحملة التي انطلقت من واقع محلي يصفه أصحابها بأنه تراجع متواصل للثروة الغابية وتوسع للاعتداءات على المجال الغابي، اختارت منذ بدايتها توثيق الملفات وطرحها على المؤسسات المختصة، بدل الاكتفاء بالتنديد عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

البداية: من معاينة الواقع إلى إطلاق الحملة

بدأت الحملة على خلفية ما تم رصده، وفق القائمين عليها، من مظاهر اعتداء على الغطاء الغابي والطبيعة في عدد من مناطق جبال العيون، من بينها قطع الأشجار، تدهور الغطاء النباتي، الرعي غير المنظم، إلقاء الفضلات، والتوسع في استغلال الأراضي ذات الصبغة الغابية وتحويل بعضها إلى مساحات فلاحية.

كما تم التنبيه إلى أخطار أخرى تهدد الثروة الطبيعية، من بينها انتشار بعض الآفات والحشرات، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بتراجع الموارد الطبيعية التي تمثل موردًا اقتصاديًا وبيئيًا مهمًا لأهالي المنطقة.

وتؤكد الحملة أن القضية لا تتعلق بشجرة أو قطعة أرض بعينها، وإنما بمصير منظومة غابية كاملة، وما تمثله جبال العيون من ثروة طبيعية وبيئية واقتصادية.

وبحسب المعطيات التي قدمتها الحملة خلال مسيرتها، فإن حجم الأضرار الميدانية بلغ مستويات اعتُبرت خطيرة، مع الحديث عن قطع أكثر من ألف شجرة واتساع رقعة الاعتداءات إلى مساحات أكبر بكثير من الملفات التي تمت معالجتها إداريًا في بعض المراحل.

من الميدان إلى الإدارة

منذ المراحل الأولى، اتجهت الحملة إلى مخاطبة الجهات الرسمية، وفي مقدمتها المصالح المكلفة بالغابات والتنمية الفلاحية، مطالبة بالمعاينة والتحقيق وتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

ولم تقتصر المطالب على حماية الغابة مستقبلًا، بل شملت أيضًا التحقق من الوضعية القانونية للعقارات محل النزاع، واسترجاع الأراضي التابعة للملك الغابي التي يُشتبه في الاستيلاء عليها أو تغيير صبغتها أو ضمها إلى ملكيات خاصة.

ومن بين الملفات التي حظيت باهتمام خاص ملف قطعة أرضية بمنطقة الرماضنية الكراتلية من عمادة البرك، وبالتحديد ما يعرف بـطريق البتايتية، حيث أثارت الحملة شبهة استيلاء وضم جزء من الأرض الغابية إلى أرض خاصة.

وهنا شددت الحملة على ضرورة أن تكون الفيصل في الموضوع هي الوثائق الرسمية والحدود العقارية والمحاضر والمعاينات والقرارات الإدارية والقضائية، وليس مجرد التصريحات المتبادلة.

اجتماع 25 فيفري 2026

في إطار متابعة الملف، عقد يوم 25 فيفري 2026 اجتماع مع رئيس الدائرة الجهوية للغابات بالقصرين  ونائبه.

وخلال هذا اللقاء، طُرحت جملة من الملفات المتعلقة بالاعتداءات على المجال الغابي، ومن بينها ملف القطعة الأرضية الواقعة بطريق البتايتية بمنطقة الرماضنية الكراتلية.

وبحسب ما نقلته الحملة عن الاجتماع، تم التأكيد على وجود مسار يتعلق بملف استرجاع قطعة أرض تابعة للملك الغابي، وهو ما اعتبرته الحملة نقطة مهمة تستوجب المتابعة والتثبت من مآلات الملف والإجراءات التي تم اتخاذها بشأنه.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت المطالبة بالحصول على الوثائق الرسمية المتعلقة بالملف جزءًا أساسيًا من تحركات الحملة.

المراسلات الرسمية وطلب المعطيات

لم تكتف الحملة بالاتصالات المباشرة، بل سلكت مسار المراسلات الرسمية.

ومن بين المراسلات التي تم توثيقها:

  • المراسلة عدد 1777 بتاريخ 4 فيفري 2026.
  • المراسلة عدد 2399 بتاريخ 16 فيفري 2026.
  • وردّ إداري بتاريخ 16 مارس 2026.

وقد اعتبرت الحملة أن الردود المتحصل عليها لم تجب بشكل كافٍ عن جميع النقاط المطروحة، وطالبت بمزيد من الشفافية وتمكينها من الوثائق المتعلقة بالملفات.

وكان من بين المطالب الحصول على المحاضر والتقارير ومواضيع التتبعات والوثائق المتعلقة بملفات الاستيلاء على الأراضي الغابية والمعاينات والإجراءات المتخذة من قبل المصالح المختصة.

والغاية، وفق أصحاب الحملة، ليست إصدار أحكام مسبقة على أي طرف، وإنما تمكين المواطنين من معرفة ما قامت به الإدارة فعليًا، وما آلت إليه الملفات التي تم فتحها.

ملف استرجاع الأراضي الغابية

أحد أبرز محاور الحملة كان مسألة استرجاع الأراضي التابعة للملك الغابي التي تقول الحملة إنها تعرضت للتعدي أو الاستغلال خارج الأطر القانونية.

وفي هذا السياق، تم التركيز على ضرورة تدخل الهياكل المختصة، بما في ذلك المصالح الغابية والجهات المكلفة بتمثيل الدولة في النزاعات، حتى يتم التثبت من الوضعيات العقارية واتخاذ الإجراءات القانونية عند ثبوت الاعتداء.

كما تم لاحقًا التوجه إلى المكلف العام بنزاعات الدولة بالقصرين للمطالبة بمتابعة ملف استرجاع إحدى القطع الأرضية التي اعتبرت الحملة أنها تابعة للملك الغابي.

وتؤكد الحملة أن استرجاع قطعة واحدة، مهما كانت أهميته، لا يجب أن يتحول إلى نهاية للملف، خصوصًا إذا كانت هناك مناطق أخرى تحتاج إلى المعاينة والتحقيق.

63 هكتارًا… والسؤال الأكبر

خلال مسيرة الحملة، برز أيضًا ملف استرجاع قطعة أرضية تقدر بحوالي 63 هكتارًا.

وقد رحبت الحملة من حيث المبدأ بأي خطوة تؤدي إلى استرجاع أراضي الدولة وحماية الملك الغابي، لكنها طرحت في المقابل سؤالًا جوهريًا:

هل تمثل هذه المساحة كامل الأراضي التي تعرضت للاعتداء، أم أنها مجرد جزء من مساحة أكبر؟

ومن هنا جاء التشديد على ضرورة إجراء مسح ومعاينات شاملة وعدم حصر معالجة الملف في قطعة واحدة، خاصة وأن الحملة تحدثت عن اتساع رقعة الاعتداءات إلى مناطق ومساحات أخرى.

مقارنة مع مناطق غابية أخرى

لم تقتصر الحملة على المطالبة بحماية جبال العيون، بل أثارت أيضًا مسألة التفاوت في مستوى الحماية والمتابعة بين المناطق الغابية.

وقد تمت الإشارة إلى مناطق مثل عين أم الجدور وجبل سمامة باعتبارها أمثلة على مناطق تحظى بمتابعة وحماية أكبر، مع طرح تساؤلات حول أسباب عدم تمتع جبال العيون بالمستوى نفسه من العناية.

وتقول الحملة إن الهدف من هذه المقارنة ليس التقليل من أهمية حماية أي منطقة غابية، بل المطالبة بأن تكون جبال العيون أيضًا ضمن أولويات الحماية والمتابعة.

من الغابة إلى الاقتصاد المحلي

ترى الحملة أن خسارة الغطاء الغابي لا تعني فقط خسارة أشجار ومناظر طبيعية، وإنما تعني أيضًا خسارة اقتصادية واجتماعية لأهالي المنطقة.

فجبال العيون توفر منتجات غابية وطبيعية، من بينها الإكليل الجبلي والزقوقو، وهي منتجات لها قيمة اقتصادية بالنسبة للسكان.

وتطرح الحملة تساؤلات حول الخسائر التي تكبدها المواطنون والخزينة العامة نتيجة تراجع استغلال المنتجات الغابية القانونية، مقابل التوسع في الاعتداءات والاستغلال غير المنظم.

 وزارة الفلاحة على الخط

ومع اتساع الحملة، وصل الملف إلى مستوى أعلى من المسؤولية الحكومية.

وقد تم التواصل مع وزارة الفلاحة حيث أفادت الحملة بأنه تم تحويل الملف وفتح تحقيق شامل بخصوص ما تم طرحه في ولاية القصرين.

واعتبر أصحاب الحملة أن هذا التواصل يمثل خطوة إيجابية، لكنهم أكدوا أن المعيار الحقيقي سيكون في نتائج التحقيقات والإجراءات الميدانية والقرارات التي ستصدر بشأن الملفات المطروحة.

الحملة لا تطالب بالكلام… بل بالوثائق

من أبرز ما ميز المسار هو انتقال المطالب من مجرد الدعوة إلى «حماية الغابة» إلى المطالبة بوثائق محددة.

فالحملة طالبت بالحصول على:

المحاضر، التقارير، المعاينات، المراسلات، قرارات التتبع، وملفات استرجاع الأراضي والإجراءات التي اتخذتها المصالح المختصة.

والسبب في ذلك، حسب القائمين عليها، هو أن الملف أصبح يتطلب قدرًا أكبر من الشفافية، خصوصًا مع تعدد الروايات حول بعض العقارات والمناطق.

وفي حال عدم الحصول على المعلومات المطلوبة، تم بحث اللجوء إلى الآليات القانونية المتاحة، بما في ذلك المعاينات بواسطة عدل منفذ والإجراءات أمام القضاء الإداري وفق ما تسمح به القوانين الجاري بها العمل.

العريضة الشعبية: تحويل الحملة إلى صوت جماعي

بعد أشهر من المتابعة والمراسلات والتحركات، اتجهت الحملة إلى خطوة جديدة تمثلت في إطلاق عريضة شعبية.

الهدف من العريضة هو إعطاء المواطنين فرصة للتعبير بصورة مباشرة عن دعمهم لمطالب حماية جبال العيون، والمطالبة بتفعيل الرقابة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية الملك الغابي.

وقد لاقت العريضة تفاعلًا من المواطنين، ووصل عدد الإمضاءات الورقية، وفق آخر رقم أعلنته الحملة، إلى 528 إمضاءً.

لكن أهمية العريضة لم تكن في الرقم وحده، بل في كونها أظهرت أن الملف لم يعد مقتصرًا على مجموعة صغيرة من الناشطين، وإنما أصبح يحظى باهتمام مواطنين يرغبون في إيصال موقفهم إلى الجهات الرسمية.

من القوائم الورقية إلى الإمضاء الإلكتروني

ومع تزايد الطلبات الواردة من مختلف مناطق الجمهورية، ظهرت مشكلة عملية: كيف يمكن جمع الإمضاءات من المواطنين الذين يريدون دعم الحملة ولكنهم بعيدون عن نقاط الإمضاء الورقية؟

لذلك تم إطلاق نسخة إلكترونية من العريضة.

وهكذا أصبح بإمكان كل مواطن، مهما كانت الجهة التي يقيم فيها، المشاركة في العريضة دون الحاجة إلى التنقل أو انتظار وصول القائمات الورقية إلى منطقته.

وتعتبر الحملة أن هذه الخطوة تهدف أساسًا إلى توسيع المشاركة الشعبية وتسهيل الوصول إلى العريضة، مع مواصلة اعتماد القائمات الورقية التي تم جمعها ميدانيًا.

حملة محلية برسالة وطنية

رغم أن القضية تنطلق من جبال العيون، فإن الرسالة التي تطرحها الحملة تتجاوز حدود المنطقة.

فالمسألة، بالنسبة لأصحاب المبادرة، تتعلق بسؤال أكبر:

كيف نحافظ على الثروة الغابية التونسية؟ ومن يحمي الملك الغابي من الاعتداءات؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون الأراضي الغابية محمية فعليًا، لا فقط على الورق؟

ومن هنا جاء وصف المبادرة بـ**«الحملة الوطنية لإنقاذ جبال العيون»**، باعتبار أن جبال العيون جزء من الثروة الطبيعية الوطنية، وليست ملكًا حصريًا لأهالي المنطقة.

من 2026 إلى اليوم: ماذا بعد؟

بعد سلسلة من التحركات والمراسلات والاجتماعات والعريضة الشعبية، أصبح الملف اليوم أمام مرحلة جديدة.

فالخطوة القادمة، وفق منطق الحملة، لا ينبغي أن تكون مجرد مواصلة نشر الصور والبيانات، وإنما تحويل المطالب إلى إجراءات قابلة للقياس:

  • معاينة شاملة للمناطق محل الشبهة.
  • تحديد الوضعيات العقارية بدقة.
  • التثبت من حدود الملك الغابي.
  • نشر أو تمكين أصحاب الصفة من الوثائق القانونية والإدارية المتاحة.
  • متابعة ملفات استرجاع الأراضي.
  • تحديد المسؤوليات عند ثبوت المخالفات.
  • حماية المناطق الغابية من تكرار الاعتداءات.
  • ومتابعة نتائج التحقيقات التي تم الإعلان عنها.

وفي المقابل، تؤكد الحملة أن جميع ما يثار بشأن الأشخاص أو العقارات يبقى في إطار المطالبة بالتحقيق والتثبت الرسمي، وأن المسؤولية القانونية عن أي مخالفة لا تثبت إلا بالوثائق والجهات المختصة والأحكام القضائية عند الاقتضاء.

العريضة مستمرة… والقضية لم تنتهِ

منذ بداية الحملة، تغيرت طبيعة الملف بشكل واضح.

بدأت الحكاية من جبال ومناطق غابية تحتاج إلى الحماية، ثم تحولت إلى مراسلات رسمية، واجتماعات مع المسؤولين، وطلبات للحصول على الوثائق، وطرح ملفات استرجاع الملك الغابي، واتصالات على مستوى الوزارة، وصولًا إلى عريضة شعبية جمعت مئات الإمضاءات.

واليوم، مع فتح باب الإمضاء الإلكتروني، تسعى الحملة إلى نقل القضية إلى مرحلة جديدة عنوانها:

«من يساند حماية جبال العيون يستطيع الآن أن يشارك، أينما كان

ويبقى السؤال الذي تطرحه الحملة على المؤسسات المعنية وعلى الرأي العام:

هل تكون هذه الحملة بداية لمعالجة شاملة ودائمة لوضع جبال العيون، أم أن الملف سيبقى حبيس المراسلات والوعود؟

فالجبال لا تنتظر البيانات، والغابة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

أما المواطن، فقد بدأ بالفعل في رفع صوته.

 للمشاركة في العريضة الشعبية الإلكترونية

يمكن للمواطنين الذين لم يتمكنوا من الإمضاء على النسخة الورقية المشاركة عبر النسخة الإلكترونية، والمساهمة في نشرها على أوسع نطاق.

معًا من أجل إنقاذ جبال العيون.
معًا من أجل حماية الملك الغابي.
معًا من أجل ثرواتنا الطبيعية.

Related posts

توقيع عقود هبات لفائدة مشاريع في إطار الدعم المقدم من قبل الاتحاد الاوروبي: التفاصيل

root

فنانون يغزون المشهد الإعلامي: ‘ثقافة البوز’ لأجل عيون ‘الشركات التجارية’

root

العاصمة: زوج يقتل زوجته وأمها طعنا

Na Da