بسبب الذكاء الاصطناعي…..تحولات محتملة في عالم الوظائف

صابر الحرشاني

لم يعد الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق الشغل مجرد توقعات مستقبلية أو أفكار تنتمي إلى الخيال العلمي، بل أصبح نقاشاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً جدياً تفرضه سرعة التطور التكنولوجي نفسها. فبعد أن كان إدخال الآلات إلى المصانع يثير سؤالاً حول إمكانية استبدال العامل اليدوي، أصبحت الخوارزميات والنماذج اللغوية قادرة على أداء مهام كانت تُعد إلى وقت قريب حكراً على أصحاب الشهادات والمهن الفكرية: كتابة النصوص، تحليل البيانات، البرمجة، الترجمة، إعداد التقارير، خدمة الزبائن وحتى بعض المهام القانونية والطبية.

وتعطي الأرقام فكرة عن حجم التحول المحتمل. فقد خلص صندوق النقد الدولي، في تحليل نشره عام 2024، إلى أن نحو 40% من الوظائف عالمياً معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة. غير أن التعرض للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة فقدان الوظيفة؛ فالصندوق يميز بين وظائف يمكن أن تصبح أكثر إنتاجية بفضل التكنولوجيا وأخرى قد تتعرض لانخفاض الطلب على العمالة.

واللافت أن هذا التحول لا يقتصر على الوظائف اليدوية أو الروتينية. فقد أظهرت دراسة نشرتها منظمة العمل الدولية أن التأثير الأرجح للذكاء الاصطناعي التوليدي ليس إلغاء المهن بالكامل، وإنما تغيير محتواها وأتمتة بعض المهام التي تتكون منها. وهذا يعني أن السؤال الحقيقي قد لا يكون: كم وظيفة سيختفي؟، بل: كم وظيفة ستتغير، ومن سيكون قادراً على التكيف مع هذا التغيير؟.

من الثورة الصناعية إلى الثورة الخوارزمية

التاريخ الاقتصادي يقدم درساً مهماً في التعامل مع هذه المخاوف. ففي بريطانيا خلال الثورة الصناعية، ظهرت حركة اللوديين في بداية القرن التاسع عشر، حيث حطم عمال آلات اعتقدوا أنها تهدد مصادر رزقهم. لم تكن مخاوفهم بلا أساس؛ فالتحول الصناعي أحدث بالفعل اضطرابات اجتماعية ومهنية قاسية، لكنه لم يؤد في النهاية إلى اختفاء العمل، بل إلى إعادة تشكيله ونقل العمالة من أنماط إنتاج إلى أخرى.

وهنا يمكن استحضار الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز، الذي تنبّه مبكراً إلى مشكلة ما سماه البطالة التكنولوجية. ففي مقاله الشهير الآفاق الاقتصادية لأحفادنا المنشور سنة 1930، رأى أن التكنولوجيا قد تتقدم بسرعة أكبر من قدرة الاقتصاد على إيجاد استخدامات جديدة للعمالة. لكنه اعتبر هذه المشكلة، في المدى الطويل، مرحلة انتقالية نحو وفرة اقتصادية أكبر. بل ذهب إلى تصور مجتمع قد لا يحتاج فيه الإنسان إلى العمل إلا لساعات قليلة، متحدثاً عن إمكانية الوصول إلى أسبوع عمل من خمس عشرة ساعة.

ورغم أن توقع كينز لم يتحقق حرفياً بحلول عام 2030، فإن فكرته الأساسية بقيت حاضرة: التكنولوجيا يمكن أن تزيد الإنتاجية بصورة هائلة، لكن ارتفاع الإنتاجية لا يعني تلقائياً أن المجتمع سيختار تقليل ساعات العمل. فقد تتحول مكاسب التكنولوجيا إلى مزيد من الاستهلاك أو الأرباح أو المنافسة بدلاً من تحويلها إلى وقت فراغ.

وهذا تحديداً ما يجعل الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن موجات الأتمتة السابقة. فالآلة الصناعية كانت تتفوق أساساً في القوة والسرعة والدقة، أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيدخل للمرة الأولى على نطاق واسع إلى مساحة العمل الذهني. وتفيد دراسة مشتركة لباحثين من OpenAI وجامعة بنسلفانيا بأن نحو 80% من القوة العاملة في الولايات المتحدة قد تتأثر بما لا يقل عن 10% من مهامها نتيجة تقنيات النماذج اللغوية، بينما قد تتأثر نصف مهام نحو 19% من العاملين. وهذه أرقام عن المهام المتأثرة وليست تنبؤاً باختفاء هذه الوظائف.

لذلك قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو ظهور عامل هجين: إنسان يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنجاز عمل كان يحتاج سابقاً إلى عدة أشخاص أو ساعات طويلة. وهذا يمكن أن يرفع الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه قد يخفض الحاجة إلى بعض الوظائف أو يغير المهارات المطلوبة للحصول عليها.

صراع توزيع الثروة

إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج قيمة اقتصادية متزايدة بقدر أقل من العمل البشري، فإن السؤال الأكثر حساسية لن يكون تقنياً فقط، بل سيصبح سؤالاً حول من يملك هذه القيمة ومن يستفيد منها.

فالشركات التي تمتلك النماذج المتقدمة ومراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية قد تستحوذ على حصة كبيرة من المكاسب الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. وقد حذرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يرتبط بمخاطر تتعلق بعدم المساواة، وبزيادة كثافة العمل والمراقبة وجمع بيانات العاملين، في حين تؤكد أن أثر التكنولوجيا على الأجور والتفاوت يحتاج إلى متابعة مستمرة.

ومن هنا تبرز فكرة دولة الرفاه الجديدة: فإذا أصبحت الآلات قادرة على إنتاج المزيد من السلع والخدمات بعدد أقل من العمال، يمكن للدول أن تعيد التفكير في الضرائب والحماية الاجتماعية وآليات توزيع الثروة. ومن بين الأفكار المطروحة الدخل الأساسي الشامل، أو فرض ضرائب إضافية على أرباح الأنشطة شديدة الاعتماد على الأتمتة، أو توجيه جزء من المكاسب التكنولوجية إلى التعليم والصحة والسكن والتكوين المهني.

لكن هذه الأفكار تطرح مشكلة اقتصادية عميقة: ماذا يحدث إذا انخفض عدد العاملين القادرين على الحصول على أجور مستقرة، بينما تظل الشركات بحاجة إلى مستهلكين لشراء منتجاتها؟ فالاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على الإنتاج، بل كذلك على القدرة الشرائية. وإذا ارتفعت الإنتاجية والأرباح بينما تراجعت حصة واسعة من السكان من الدخل، فقد يظهر تناقض بين اقتصاد قادر على إنتاج وفرة هائلة ومجتمع يعاني ضعف الطلب وعدم المساواة.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالقول إن هذا السيناريو حتمي. فتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف لعام 2025 يتوقع أن تؤدي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية إلى إنشاء نحو 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليون وظيفة بحلول 2030، أي زيادة صافية قدرها 78 مليون وظيفة وفق تقديرات أصحاب العمل التي يعتمد عليها التقرير. وهذا يوضح أن التحول التكنولوجي قد يكون في الوقت نفسه مدمراً لبعض الوظائف ومولداً لوظائف أخرى.

المسألة الأعمق في نهاية المطاف ليست عدد الوظائف التي ستختفي، وإنما المكانة التي يحتلها العمل في حياة الإنسان. فالوظيفة ليست مجرد وسيلة للحصول على الراتب؛ إنها تمنح الفرد مكانة اجتماعية، وشعوراً بالإنجاز، وروتيناً يومياً، وعلاقات مهنية، وأحياناً معنى للوجود نفسه. ولذلك فإن عالم ما بعد العمل قد يكون أكثر تعقيداً من مجرد عالم بلا بطالة.

إذا نجحت التكنولوجيا في تخفيف الحاجة إلى العمل، فقد يصبح أمام الإنسان وقت أكبر للتعلم والفنون والبحث العلمي والرعاية الأسرية والرياضة والمشاركة المدنية. لكن هذا التحول لن يكون سهلاً. فالمجتمعات الحديثة ربطت قيمة الفرد بدرجة كبيرة بمهنته ودخله وموقعه في سوق العمل. ولهذا فإن السؤال الذي طرحه كينز قبل نحو قرن لا يزال صالحاً: ماذا سيفعل الإنسان عندما تتحول الوفرة الاقتصادية من مشكلة إنتاج إلى مشكلة استخدام للوقت؟

كما أن الحديث عن المهن الآمنة يجب أن يكون حذراً. صحيح أن مهارات مثل التواصل، والتعاون، والرعاية، والقيادة، والإبداع، والحكم البشري تظل مهمة، لكن الذكاء الاصطناعي يتطور أيضاً في مجالات كانت تعتبر حصناً بشرياً. لذلك فإن الرهان لن يكون على وظيفة واحدة محصنة ضد التكنولوجيا، وإنما على قدرة الإنسان على التعلم المستمر وإعادة تشكيل مهاراته.

وتشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن نحو 27% من العمالة في دول المنظمة توجد في مهن ذات مخاطر مرتفعة من الأتمتة، بينما تؤكد في الوقت نفسه أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع أداء العاملين؛ إذ أظهرت استطلاعاتها أن 4 من كل 5 عمال شملتهم الدراسة قالوا إن الذكاء الاصطناعي حسّن أداءهم في العمل.

وهكذا، فإن المستقبل لا يبدو ببساطة عالماً يعمل فيه الإنسان أو تعمل فيه الآلة، بل عالماً يعاد فيه تقسيم العمل بين الإنسان والخوارزمية. والتحدي الحقيقي سيكون في إدارة هذا الانتقال: تحديث أنظمة التعليم، وتوسيع فرص إعادة التأهيل المهني، وحماية العمال خلال فترات التحول، وضمان المنافسة، ومنع احتكار التكنولوجيا، وإعادة النظر في العلاقة بين الإنتاجية والأجور والحماية الاجتماعية.

Related posts

سفيرأوكرانيا بتونس يؤكد التوصل إلى حلول لمواصلة الطلبة التونسيين مزاولة تعليمهم بالجامعات الأوكرانية

root

ندوة صحفية استثنائية مرتقبة لوزارة الداخلية

root

عدد من اهالي مدير اقليم سابق بالقيروان قاموا باغلاق الطريق الرئيسية احتجاجا على ايقافه

Ghada Trabelsi