قانون المالية: هل يطوي البرلمان صفحة الفصول المثيرة ويستعيد ثقة المواطن؟

صابر الحرشاني

يتجه نواب مجلس الشعب هذه السنة الى تغيير طريقة التعامل مع قانون المالية، في محاولة لتفادي تكرار تجربة السنة الماضية، التي شهدت اقتراح نحو 100 فصل اضافي ضمن قانون المالية لسنة 2026. ويقوم التوجه الجديد وفق كواليس المجلس على تقليص عدد المقترحات، من خلال اقتصار كل كتلة برلمانية على ثلاثة مقترحات على اقصى تقدير، بما يفتح المجال امام نقاش أكثر تركيزا حول المبادرات المطروحة ومدى جدواها.

ولا يقتصر هذا التوجه على الحد من عدد الفصول الاضافية، بل يهدف ايضا الى دفع الكتل البرلمانية نحو تنسيق مواقفها والبحث عن نقاط مشتركة بينها، بما يسمح بتقديم مقترحات أكثر تماسكا وقابلية للنقاش والتنفيذ، عوض تشتيت الجهد البرلماني في عدد كبير من المبادرات التي قد يصعب ادراجها في النص النهائي.

التوافق مع وزارة المالية شرط لقابلية التنفيذ

ويقوم المسار المقترح على البحث عن ارضيات مشتركة بين الكتل البرلمانية بشأن المقترحات التي تحظى بالاولوية، ثم التشاور مع وزارة المالية لتقييم مدى قابليتها للتنفيذ، والعمل على ادراجها في الصيغة الاصلية لمشروع القانون قبل احالته على الجلسة العامة.

ويستهدف هذا التوجه تفادي سيناريو السنة الماضية، حين تمت المصادقة على فصول اضافية، لم يكن بعضها منسجما مع القانون الاساسي للميزانية، فيما لم يكن البعض الاخر يدخل اصلا ضمن المجال الذي ينظم عادة بقانون المالية. ويطرح ذلك مسألة جدوى المقترحات التي تمر عبر المسار التشريعي دون التثبت الكافي من اساسها القانوني او من امكانية تطبيقها على ارض الواقع.

و خلال الجلسات التمهيية اجمع ع من النواب على ان التشريع المالي لا يقاس بعدد الفصول المضافة، بل بمدى وضوح اهدافها، وانسجامها مع المنظومة القانونية، وقدرة الدولة على تنفيذها وتوفير الموارد اللازمة لها. ومن هذا المنطلق، يبدو التنسيق المسبق بين النواب ووزارة المالية محاولة لتحويل المقترحات البرلمانية من مبادرات ظرفية الى خيارات قابلة للتطبيق.

من رمي الكرة الى استعادة ثقة المواطن

وخلال النقاشات الاولية، اعتبر عدد من النواب ان اضافة الفصول في السنة الماضية، والتي كان الهدف من بعضها، وفق ما طرح خلال النقاش، وضع الحكومة امام مسؤولياتها، انقلبت على اصحابها فبدل ان تحقق تلك المبادرات مكاسب سياسية او تستجيب لتطلعات المواطنين، ساهمت في الاضرار بصورة البرلمان، خاصة عندما ارتبطت بوعود وقرارات يصعب تنفيذها او لم تتضح شروط تطبيقها.

ومن بين الامثلة التي اثارت الجدل مقترح السيارة لكل عائلة، الذي تحول في نظر جزء من المواطنين الى معيار للحكم على قدرة المؤسسات على الوفاء بتعهداتها وعندما تتقدم الوعود على التقييم المالي والقانوني، تصبح الهوة اكبر بين ما ينتظره المواطن وما تستطيع الدولة انجازه فعليا.

ولا تقف تداعيات هذه التجربة عند حدود صورة البرلمان، بل تمتد الى الثقة في مؤسسات الدولة وفي جدوى المسار التشريعي برمته. فالمواطن الذي يتلقى وعودا لا تجد طريقها الى التنفيذ قد يصبح اكثر تشككا في القرارات المعلنة وفي قدرة المؤسسات على تحويلها الى نتائج ملموسة.

لذلك، فان تقليص عدد المقترحات لا يمثل في حد ذاته ضمانة للنجاح، ما لم يرافقه نقاش جدي حول الكلفة والتمويل والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن احترام القواعد القانونية. ويظل الرهان الحقيقي امام النواب هو تقديم مقترحات محدودة، واضحة الاهداف، قابلة للتنفيذ، وتستجيب لحاجات فعلية، حتى لا يتحول قانون المالية الى مناسبة لتراكم الوعود، بل الى اداة لصياغة سياسات عمومية قابلة للانجاز والمحاسبة.

ويمنح الدستور النواب الحق التشريعي والمبادرة باقتراح القوانين والفصول، بما يتيح لهم التعبير عن انتظارات المواطنين والعمل على ترجمتها الى خيارات تشريعية ملموسة. غير ان ممارسة هذا الحق تقتضي التوازن بين الطموح التشريعي والقدرة الفعلية على التنفيذ، من خلال مراعاة الامكانات المالية للدولة والموارد المتاحة ومدى جاهزية الجهاز التنفيذي لتطبيق القرارات المقترحة. فالمبادرة التشريعية لا تكتسب قيمتها بمجرد المصادقة عليها، بل بقدرتها على التحول الى اجراءات قابلة للتنفيذ ونتائج يلمسها المواطن. ومن ثم، فان التنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لا ينتقص من صلاحيات النواب، بل يعزز نجاعة المبادرة البرلمانية ويحمي مصداقيتها، ويحول دون سن احكام تظل حبرا على ورق او ترفع سقف الانتظارات دون توفير شروط تحقيقها.

Related posts

الزكراوي : “لجنة أساتذة قانون البلاط لا تمثل الشعب التونسي”

root

رئاسة البرلمان: يجب تطبيق القانون عدد 38 ضمن منطق استمرارية الدولة واحترامها لتعهداتها

root

والي تونس:عبير موسي كانت فاعلة في العهد السابق.. و قد صارت اليوم مناضلة ..

root