ميزانية 2027 و التناسق مع مخطط التنمية.. اختبار الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز

صابر الحرشاني

يتعلق التحدي المطروح بخصوص السياسة المالية بمدى القدرة على ترجمة الخيارات التنموية الواردة فيه إلى برامج ومشاريع واعتمادات مالية قابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل مشروع ميزانية الدولة للسنة المقبلة محطة مهمة في اختبار العلاقة بين التخطيط والتمويل والإنجاز.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية باعتبار أن سنة 2027 تمثل السنة الثانية من تنفيذ المخطط الخماسي، بما يعني أن المرحلة الحالية يفترض أن تنتقل تدريجيا من ضبط الرؤية والأولويات إلى تسريع نسق تنفيذ الإصلاحات والمشاريع التنموية، وهو ما أكدته التوجهات المعلنة لمشروع ميزانية الدولة لسنة 2027، التي اعتبرته محطة محورية في مسار تنفيذ المخطط، ومرحلة للانتقال من وضع الإطار الاستراتيجي إلى تجسيد الخيارات على أرض الواقع.

ويعيد هذا الترابط طرح مسألة العلاقة بين قانون المالية ومخطط التنمية، فالأول يضبط الموارد والنفقات والتدخلات المالية للدولة خلال سنة واحدة، فيما يحدد الثاني التوجهات والأهداف والسياسات التنموية على امتداد خمس سنوات، ولذلك فإن نجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بمدى احترام التوازنات المحاسبية، وإنما أيضا بقدرتها على تمويل الأولويات التي اختارها المخطط وتحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.

من التخطيط إلى التنفيذ

تستند أهمية هذا التلازم إلى طبيعة المخطط التنموي 2026-2030 الذي اعتمد مقاربة تصاعدية وتشاركية في تحديد الأولويات التنموية، من خلال الانطلاق من المستوى المحلي والجهوي وصولا إلى المستوى الوطني، بما يجعل مشاريع الجهات وانتظارات السكان جزءا من بناء الخيارات التنموية.

وقد أكدت الحكومة، في عرض توجهات مشروع ميزانية 2027، أن إعداد الميزانية يندرج ضمن التوجهات الاستراتيجية للمخطط، الذي يقوم على مشاركة مختلف الفاعلين في تحديد الخيارات التنموية، وعلى دور الدولة في توفير الموارد ومساهمة المواطن في الإعداد والاختيار. كما شددت على ضرورة تسريع إنجاز البرامج والمشاريع التنموية وتجسيم الإصلاحات المضمنة بالمخطط.

وتتطلب هذه المقاربة أن تكون العلاقة بين التخطيط والميزانية علاقة وظيفية، بحيث لا يقتصر الأمر على الإشارة إلى أهداف المخطط في وثائق الميزانية، بل يمتد إلى تحديد المشاريع التي ستتولى الدولة تمويلها خلال السنة، وحجم الاعتمادات المخصصة لها، والجهات المنتفعة بها، والآجال المنتظرة لإنجازها.

ويبرز هذا الجانب خصوصا في مجال التنمية الجهوية، إذ تتضمن توجهات ميزانية 2027 العمل على إنجاز المشاريع المبرمجة بالجهات في أفضل الآجال، ولا سيما تهيئة المناطق الصناعية وتعزيز شبكات الربط بالماء والكهرباء وتوفير المرافق والخدمات الأساسية، بما يساعد على تحسين مناخ الاستثمار واستقطاب المشاريع ودفع النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

كما تطرح هذه الأولويات ضرورة تجاوز المقاربة التي تقيس التدخل العمومي بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، نحو مقاربة تتابع مدى تقدم الإنجاز والنتائج المحققة، فالمشروع التنموي لا يحقق أهدافه بمجرد إدراجه في الميزانية، وإنما يتطلب استكمال الدراسات والإجراءات الإدارية والعقارية وتوفير التمويلات وإنجاز الأشغال في الآجال المحددة.

 الأولويات والتوازنات المالية

يواجه هذا التوجه تحديا يتعلق بضرورة التوفيق بين متطلبات تمويل التنمية والمحافظة على التوازنات المالية للدولة، خاصة في ظل محدودية الموارد وتزايد الالتزامات المرتبطة بخدمة الدين والنفقات الاجتماعية والتسيير.

وقد أكدت التوجهات الحكومية أن مشروع ميزانية 2027 يستهدف المحافظة على التوازنات المالية الكبرى، مع توفير الموارد الضرورية لدعم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تعزيز الموارد الذاتية والتحكم في عجز الميزانية ودعم المداخيل غير الجبائية، إلى جانب تحسين التصرف في المال العام.

وفي المقابل، تتوزع الأولويات التنموية على مجالات متعددة، تشمل العدالة الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية والضمان الاجتماعي، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وإعادة هيكلة المؤسسات والمنشآت العمومية، ودعم التحول الرقمي والاستثمار العمومي والخاص، وتحقيق التنمية الجهوية المتوازنة وتوفير مواطن الشغل.

ويطرح تعدد هذه الأولويات مسألة ترتيبها بحسب أثرها الاقتصادي والاجتماعي، ومدى قدرتها على خلق الثروة وتحسين الإنتاجية وتوفير فرص العمل، فالموارد العمومية لا تسمح بتمويل جميع المطالب بالنسق والحجم نفسيهما، وهو ما يجعل الاختيارات المالية مطالبة بتحديد المشاريع ذات الأولوية وتوجيه الاعتمادات نحو التدخلات الأكثر قدرة على تحقيق أهداف المخطط.

وفي هذا السياق، تتضمن فرضيات مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 استهداف نمو اقتصادي في حدود 3.1 بالمائة مقابل 2.7 بالمائة منتظرة سنة 2026، مع الترفيع في نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي من 15.5 إلى 16.4 بالمائة. وتعكس هذه المؤشرات الرهان على استعادة نسق الاستثمار ودعم النمو، لكنها تطرح في الوقت نفسه مسألة مدى ارتباط هذه الأهداف بالبرامج والمشاريع التي ستتولى الدولة تنفيذها، ومدى مساهمة الاستثمار العمومي في تحفيز الاستثمار الخاص.

كما أن تعزيز التنمية الجهوية لا يتوقف عند توزيع الاعتمادات بين الجهات، بل يستوجب توفير البنية الأساسية التي تسمح بتحويل الإنفاق العمومي إلى استثمارات منتجة، وربط المناطق الصناعية بمصادر الطاقة والمياه وشبكات النقل، وتوفير الخدمات الضرورية للمؤسسات والمواطنين، بما يضمن أن تكون المشاريع المنجزة قادرة على إحداث حركية اقتصادية مستدامة.

الرقابة ونجاعة الإنجاز

لا يقتصر تحقيق التكامل بين المخطط والميزانية على مرحلة الإعداد، بل يمتد إلى متابعة التنفيذ وتقييم النتائج، وهو ما يفسر أهمية الدور الرقابي للمؤسسات النيابية في التثبت من مدى التزام الحكومة بالأهداف والبرامج المعلنة.

وفي هذا الإطار، أكدت لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، خلال جلسة عمل عقدتها يوم 22 أكتوبر 2026 استعدادا لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، ضرورة أن تستند المناقشة إلى تقييم أداء الوزارات ومدى تنفيذ تعهداتها السابقة، بما يضمن حسن توظيف المال العام وتوجيهه نحو الأولويات الوطنية وتحقيق نتائج تنموية ملموسة.

ويطرح هذا التوجه مسألة أساسية تتعلق بضرورة ربط الاعتمادات الجديدة بحصيلة تنفيذ البرامج السابقة، إذ يصعب تقييم نجاعة الاختيارات المالية دون معرفة مدى تقدم المشاريع المبرمجة، وأسباب التأخير أو التعطل، وحجم الاعتمادات التي وقع استهلاكها مقارنة بالنتائج المحققة.

كما يتطلب ذلك تطوير آليات المتابعة والتقييم، من خلال مؤشرات واضحة تسمح بقياس نسب الإنجاز والتقدم في تنفيذ المشاريع، وتحديد المسؤوليات بين الهياكل المتدخلة، والتمييز بين الاعتمادات المرصودة والنفقات المنجزة والنتائج الفعلية. ويساعد هذا التوجه على كشف مواطن التعطيل ومعالجة الإشكاليات التي تحول دون استكمال المشاريع في آجالها، بدلا من إعادة إدراجها سنويا ضمن البرامج دون معالجة أسباب تعثرها.

وتبرز أهمية هذه الآليات أيضا في ظل تعدد المتدخلين في تنفيذ المشاريع التنموية، من وزارات ومؤسسات عمومية وسلطات جهوية ومحلية، وهو ما يفرض تنسيقا مستمرا بينها، خاصة في المشاريع التي تتطلب تدخل أكثر من هيكل أو ترتبط بتوفير البنية الأساسية والخدمات الضرورية للاستثمار.

Related posts

اتحاد الفلاحة: توقع تراجع صابة الحبوب بنسبة 75 بالمائة خلال الموسم القادم بسبب الجفاف

صادق عليها البرلمان امس…هذه تفاصيل الضريبة على الثروة

صابر الحرشاني

توضيح رسمي بشأن إلغاء زيارة وفد برلماني أوروبي إلى تونس

root