الذكاء الاصطناعي يدخل اجندة الدولة في 2027

صابر الحرشاني

تراهن تونس خلال سنة 2027 على تسريع إدماج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الاقتصادية والإدارية، من خلال الانطلاق الفعلي في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وإرساء بنية تحتية رقمية متطورة، وتطوير الإطار التشريعي والتنظيمي، إلى جانب توسيع استعمالات هذه التكنولوجيا في المرافق العمومية والقطاعات الإنتاجية والخدماتية.

ويأتي هذا التوجه وفق الميزان الاقتصادي في سياق تحولات تكنولوجية عالمية متسارعة، أصبحت فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأتمتة من العوامل المؤثرة في الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية، إذ تجاوزت الاستثمارات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي 344,6 مليار دولار سنة 2025، أي أكثر من ضعف المستوى المسجل سنة 2024، مدفوعة بتوسع الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة المتقدمة.

ومن شأن هذه التحولات ان تتيح فرصا لتحسين كفاءة استخدام الموارد ورفع الإنتاجية وفتح مجالات جديدة للاستثمار والابتكار، وهو ما يفرض تطوير الأطر التنظيمية والمؤسساتية بما يسمح بالاستفادة من المكاسب التكنولوجية والحد من مخاطر الاستخدام غير المسؤول، خاصة في المجالات المرتبطة بالمعطيات الشخصية والأمن السيبراني والسيادة الرقمية.

استراتيجية وطنية وبنية تحتية

وتمثل سنة 2027 موعدا للانطلاق الفعلي في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي تستهدف تحويل تونس إلى مركز إقليمي رائد ومبتكر في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول، من خلال بناء منظومة وطنية محفزة على الابتكار، وتوسيع استعمالات هذه التكنولوجيا في المرافق والخدمات العمومية، وإدماجها في القطاعات الاقتصادية لتعزيز القدرة التنافسية.

وترتكز الاستراتيجية على محاور أساسية تشمل تطوير رأس المال البشري والكفاءات، وتعزيز البنية التحتية والبيانات، وإرساء حوكمة للذكاء الاصطناعي، وإدماجه في النسيج الاقتصادي، ودعم البحث والتطوير والابتكار، إلى جانب تعزيز الأمن السيبراني والسيادة الرقمية.

ولتهيئة الإطار القانوني والمؤسساتي لهذه التوجهات، تتضمن البرامج المعلنة إعداد قانون محفز للاستثمار في مراكز البيانات السحابية تحت تسمية، بما يستهدف توفير شروط أفضل لاستقطاب الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، إلى جانب الشروع في إنجاز المركز الوطني للحوسبة فائقة الأداء الذي سيوفر إمكانات وطنية لمعالجة البيانات الضخمة وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

كما يتجه البرنامج إلى إطلاق مدونة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بهدف ضبط المبادئ المنظمة لاستعمال هذه التكنولوجيا، وضمان احترام الخصوصية الوطنية وتعزيز الحوكمة الرشيدة والاستخدام الآمن والمسؤول، بما يواكب توسع التطبيقات الرقمية في الإدارة والاقتصاد والخدمات.

إدارة وخدمات أكثر ذكاء

ويمثل تطوير المرفق العام أحد المجالات التي ستشملها التطبيقات الجديدة، إذ تتضمن البرامج الانطلاق في إنجاز مشروع المرفق الإداري الذكي، الذي يعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوفير خدمات المرافقة والإرشاد الإداري للمواطنين والمؤسسات على مدار الساعة، بما يساعد على تسهيل الحصول على المعلومات والإجراءات وتقليص صعوبات النفاذ إلى الخدمات.

وفي الاتجاه نفسه، ستشهد البوابة الوطنية للإعلام القانوني تطوير محرك بحث ذكي يعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تيسير الوصول إلى النصوص القانونية والترتيبية والبحث فيها، إلى جانب تنفيذ تجارب نموذجية لتقديم خدمات إدارية باستعمال هذه التكنولوجيا داخل هياكل إدارية مختارة، من بينها البلديات والوزارات ودور الخدمات. 

كما تتضمن البرامج توظيف التقنيات الجديدة في دعم الرقابة والحوكمة ومكافحة الفساد، من خلال تنظيم دورة تكوينية متخصصة حول التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي باعتبارهما آليات لمكافحة الفساد، بما يستهدف تعزيز قدرات الهياكل المعنية في مجال الرقابة واستعمال الأدوات الرقمية.

ويمتد إدماج التكنولوجيا إلى قطاع العدالة، من خلال تفعيل مخرجات الدراسة الاستشرافية المنجزة سنة 2026 بشأن المتطلبات التقنية والقانونية لإدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي، بما يساعد على تسريع معالجة الملفات وإدارة القضايا بالمحاكم.

وفي قطاع الصحة، تتجه البرامج إلى تطوير تطبيقات للطب الرقمي والطب عن بعد، مع توظيف الذكاء الاصطناعي في تفسير صور الأشعة الطبية وإعداد التقارير واستخراج ملخصات الملفات الصحية للمرضى، بالتوازي مع مراعاة متطلبات حماية المعطيات الصحية والأمن السيبراني، خاصة في ضوء إعلان تونس الصادر عن المؤتمر العالمي للصحة الرقمية، الذي كرس مبادئ الاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا.

ويشكل تطوير الكفاءات أحد الشروط الأساسية لإنجاح التحول نحو اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا، لذلك تتضمن البرامج الموجهة إلى التعليم العالي والبحث العلمي تأهيل وإعادة تأهيل 1205 مسالك إجازة بالجامعات التونسية، مع إدراج اختصاصات واعدة في مقدمتها تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدماج تطبيقاته في التدريس والابتكار البيداغوجي.

وتشمل الإجراءات أيضا تأهيل الشبكة الوطنية الجامعية وتجهيزها بالتكنولوجيات الحديثة المدعمة بالذكاء الاصطناعي، وإحداث مركز عمليات للسلامة السيبرانية، بما يعزز قدرة المؤسسات الجامعية على مواكبة التحولات الرقمية وحماية بنيتها المعلوماتية.

أما في مجال التكوين المهني، فتتجه البرامج إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي في إعداد برامج التكوين بما يتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، والانطلاق في تركيز مخابر متخصصة بهذه التكنولوجيا في 10 مراكز تكوين مهني، مع تدشين مخبر نموذجي بمركز التكوين والتدريب المهني بالكاف، وتركيز مختبرات مصغرة بالمراكز وتكوين المكونين.

وفي مجال التشغيل، يتضمن البرنامج إرساء نظام جديد للملاءمة بين عروض الشغل وطلباته يعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر بوابة الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل، بهدف تطوير آليات التوجيه والربط بين المؤسسات الباحثة عن الكفاءات والباحثين عن شغل. كما ستُنجز أول دراسة وطنية حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الشغل، لاستشراف المهن التي ستتأثر بالتحولات التكنولوجية وتحديد الكفاءات الجديدة المطلوبة وتكييف الأطر التنظيمية معها.

وعلى مستوى القطاعات الإنتاجية، تتضمن التوجهات إحداث مراكز تميز في الذكاء الاصطناعي بمجالات ذات أولوية، من بينها الفلاحة الرقمية والنقل الذكي والابتكار والتجديد الرقمي للإدارة والصحة الرقمية.

Related posts

تونس تدخل عصر البيت الذكي مع Ooredoo و Xiaomi

كيف تسترجع أرقام الهاتف من فايسبوك وميسنجر بسهولة؟

“ماكسويل” و”بيكو” تفتتحان فضاءً عصريًا في سوسة: التكنولوجيا في خدمة المستهلك التونسي