أي ملامح لمرحلة جديدة داخل الاتحاد؟

صابر الحرشاني

اختُتمت أشغال المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل على وقع نتائج انتخابية ، حملت في طياتها أكثر من رسالة، سواء على مستوى موازين القوى داخل المنظمة أو في ما يتصل بطبيعة المرحلة المقبلة.

وقد أفرزت الانتخابات فوزا كاسحا لقائمة “الثبات والتحدي” بقيادة صلاح الدين السالمي، الذي تولّى خطة الأمين العام خلفًا لنور الدين الطبوبي، في محطة بدت أقرب إلى إعادة تشكيل شاملة لهياكل القرار داخل الاتحاد.

ولم يكن هذا الفوز عاديا من حيث الحجم والدلالات، إذ حصدت القائمة الفائزة كامل مقاعد المكتب التنفيذي الوطني، إلى جانب السيطرة على بقية الهياكل الرقابية والتنظيمية، وهو ما يعكس توجّها واضحا نحو تركيز قيادة موحّدة، تمتلك زمام القرار النقابي في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات الداخلية مع رهانات اجتماعية واقتصادية متصاعدة.

رسائل متعددة

و تُظهر نتائج المؤتمر أن القواعد النقابية اختارت منح الثقة الكاملة لفريق واحد، بما يقطع مع منطق التوازنات الهشة أو التوافقات الظرفية التي طبعت محطات سابقة، ويُقرأ هذا التوجه، وفق عدد من المتابعين، باعتباره تعبيرا عن رغبة في الحسم وإعادة الانضباط داخل المنظمة، بعد فترة طويلة من التوترات والانقسامات التي أثّرت على مردوديتها ودورها.

كما يعكس هذا الفوز الكاسح أيضا اقتناعا لدى غالبية المؤتمرين ببرنامج قائمة “الثبات والتحدي”، الذي ركّز على إصلاح البيت الداخلي وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة، في مقابل برامج أخرى لم تنجح في إقناع أغلبية المؤتمرين، رغم تقاطعها في عدد من النقاط، خاصة ما يتعلق بإعادة الاعتبار للديمقراطية النقابية واستعادة الدور الاجتماعي للاتحاد.

وقد شهدت الانتخابات منافسة بين ثلاث قائمات رئيسية، إلى جانب ترشحات فردية، غير أن السباق حُسم عمليًا منذ اللحظات الأولى لصالح قائمة السالمي، التي ضمت تركيبة متنوعة من القيادات النقابية، تجمع بين الخبرة والتجديد.

في المقابل، رفعت قائمة “الاستقلالية والنضال” شعار إعادة بناء الاتحاد على أسس ديمقراطية شفافة، مع التركيز على الحوار الداخلي ورفع كل أشكال الإقصاء، في حين قدّمت قائمة “الخيار الثالث” نفسها كبديل نقابي يسعى إلى كسر الثنائية التقليدية داخل المنظمة.

وجاءت نتائج الصناديق واضحة، لتكرّس خيارا وحيدا، وتُغلق باب التوازنات داخل المكتب التنفيذي، وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول طبيعة المعارضة النقابية داخل الهياكل في المرحلة القادمة، ومدى قدرتها على التأثير في القرار.

الجدل المالي… عنوان الأزمة العميقة

و لم تمرّ أشغال المؤتمر بسلاسة، إذ برزت خلال مناقشة التقرير المالي حالة من الاحتقان غير المسبوق، عكست عمق الأزمة التي يعيشها الاتحاد، فقد عبّر عدد من النواب عن رفضهم للمصادقة على التقرير، معتبرين أن الأرقام المقدّمة تفتقر إلى الوضوح وتثير العديد من التساؤلات.

وهذا الجدل لم يكن تقنيا فحسب، انما حمل في طياته بعدا سياسيا وتنظيميا، و تحوّل إلى ساحة مواجهة بين تيارات مختلفة داخل المنظمة، قبل أن تتم المصادقة على التقرير في نهاية المطاف، بعد نقاشات مطوّلة اتسمت بالحدة.

ويكشف هذا الملف، في جوهره، عن أحد أبرز التحديات التي تنتظر القيادة الجديدة، والمتعلق بإرساء حوكمة مالية شفافة، قادرة على استعادة ثقة القواعد النقابية، خاصة في ظل تراجع الموارد وتفاقم الديون.

وعلى صعيد آخر، طُرحت مسألة شرعية المؤتمر بقوة، في ظل تشكيك بعض الأطراف النقابية في قانونية انعقاده. غير أن عرض قرار الهيئة الإدارية الوطنية على التصويت مكّن من حسم الجدل، بعد أن صوّتت أغلبية ساحقة لفائدة شرعية المؤتمر.

وهذا الحسم، وإن أنهى النقاش رسميا، إلا أنه يعكس في العمق حالة الانقسام التي عاشها الاتحاد خلال الفترة الماضية، والتي لم تكن مرتبطة فقط بالخلاف حول القيادة، بل شملت أيضًا الخيارات والتوجهات الكبرى للمنظمة.

وبالتوازي مع أشغال المؤتمر، برزت تحركات المعارضة النقابية خارج مقر الاجتماعات، في مؤشر على أن الخلافات لم تُحسم بالكامل. وقد حذّر عدد من النقابيين من أن الأزمة التي يعيشها الاتحاد أعمق من مجرد تغيير في القيادة، وتشمل ملفات هيكلية تتعلق بالحوكمة والتمثيلية والعلاقة بالقواعد.

وتطرح هذه المعطيات تحديات جدية أمام القيادة الجديدة، التي ستجد نفسها مطالبة بالتعامل مع رصيد ثقيل من الإشكاليات، من بينها النزاعات الداخلية، وتراجع الانخراط، وتعطّل آلية الاقتطاع الآلي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.

تركيبة جديدة… بين التجديد والاستمرارية

وتُظهر تركيبة المكتب التنفيذي الجديد ملامح مرحلة انتقالية، تقوم على مزيج من التجديد والاستمرارية، فقد بلغت نسبة التجديد حوالي 80 بالمائة، وهو ما يعكس رغبة واضحة في ضخ دماء جديدة داخل هياكل القرار، ومراجعة أساليب العمل والتوازنات الداخلية.

في المقابل، تم الإبقاء على عدد من الأسماء من القيادة السابقة، في إشارة إلى الحرص على عدم القطيعة الكاملة، وضمان قدر من الاستمرارية في التسيير.

كما برز حضور لافت لقطاعات نقابية وازنة، على غرار التعليم والنقل والطاقة، إلى جانب تمثيل جهات كبرى مثل تونس وصفاقس وقابس، وهو ما يعكس محاولة للحفاظ على التوازن الجهوي والقطاعي داخل القيادة.

أولويات عاجلة…

وتواجه القيادة الجديدة جملة من الملفات العاجلة، في مقدمتها رأب الصدع داخل الاتحاد، من خلال مراجعة القرارات الخلافية، خاصة تلك المتعلقة بالتجميد والإقصاء، وفتح المجال أمام مختلف الأطراف للمساهمة في إعادة بناء المنظمة.

كما يُطرح بقوة ملف إعادة تفعيل آليات التشاور والحوار الداخلي، بما يقطع مع منطق التفرد بالقرار، ويعيد الاعتبار للمؤسسات والهياكل.

ومن بين التحديات أيضا، تجديد الخطاب النقابي، بما يجعله أكثر قربا من الواقع الاجتماعي، وأقدر على التعبير عن مشاغل الشغالين، في ظل انتقادات سابقة اعتبرت أن الخطاب النقابي أصبح منفصلًا عن القواعد.

وتأتي هذه التحولات في سياق عام يتسم بتراجع دور الوسائط التقليدية، ومن بينها المنظمات الوطنية، مقابل صعود مقاربات جديدة في إدارة الشأن العام. وهو ما يضع الاتحاد أمام ضرورة إعادة تعريف موقعه ودوره في المشهد الوطني.

ويرى متابعون أن إمكانية تغيير واقع الاتحاد تظل قائمة على المدى القصير والمتوسط، خاصة إذا نجحت القيادة الجديدة في استعادة التوازن الداخلي وتعزيز ثقة القواعد. غير أن التغيير الجذري يبقى مرتبطًا أيضًا بطبيعة العلاقة مع السلطة، التي تتبنى رؤية خاصة في تعاملها مع المنظمات.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال مركزي: هل يؤدي تغيير واجهة القيادة إلى تعديل موقف السلطة من الاتحاد؟ أم أن المعادلة ستظل على حالها، بغض النظر عن الأسماء؟

والإجابة عن هذا السؤال ستتحدد في المرحلة القادمة، من خلال طبيعة الخيارات التي ستتخذها القيادة الجديدة، ومدى قدرتها على بناء توازن جديد، يضمن للاتحاد استعادة دوره التاريخي، كقوة اقتراح وتأثير في السياسات العامة.

وفي كل الحالات، يبدو أن المؤتمر 26 لم يكن مجرد محطة انتخابية عادية، بل لحظة مفصلية في تاريخ المنظمة، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: إعادة التأسيس، أو إعادة إنتاج الأزمة.

Related posts

قابس: حجز 285 كلغ من الموز وضخها بإحدى المساحات التجارية

Na Da

التيار الشعبي يدعو الحكومة إلى عرض برنامجها والعمل على تحسين الوضع المعيشي للشعب

root

بنزرت: النيابة العمومية تستأنف قرار الافراج عن المتهمين في قضية مصنع الفولاذ

Na Da