المشاريع الكبرى: تحديات التنفيذ وفرص الإقلاع الاقتصادي

تُمثّل المشاريع الكبرى رافعة أساسية لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني وتعزيز التنمية وتحقيق قفزة نوعية في الخدمات الأساسية، و لذلك بات من المستوجب استئناف انجاز المعطّل منها و استقطاب ما تحتاجه البلاد في شتى المجالات.

وعلى الرغم من الإمكانات الكامنة التي يمكن لهذه المشاريع أن تضخها في شرايين الاقتصاد الوطني، تواجه المشاريع الكبرى العديد من الصعوبات التي تجعل وتيرة الإنجاز بطيئة، بل و متوقفة في بعض الأحيان.

ويظهر الوضع الراهن أن عدد من هذه  المشاريع لا تزال عالقة، وبعضها تعطّل لأسباب تتراوح بين التعقيدات الإدارية ونقص التمويل وعدم استقرار البيئة الاستثمارية، ما يعيق تحقيق الأهداف التنموية ويزيد من تعقيد الفجوة التنموية بين المناطق في البلاد.

و تبدو البلاد في حاجة ماسة إلى زيادة وتيرة الاستثمارات الكبرى وتنفيذ مشاريع بنية تحتية قادرة على توفير فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وتزايد الاحتياجات في المناطق التي تفتقر إلى البنية الأساسية.

تسريع وتيرة الانجاز

وما من شك في أنّ تسريع وتيرة المشاريع الكبرى له أثر إيجابي على عدة أصعدة، بدءا من خلق فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل وتحسين مستوى معيشتهم و تحقيق اوكد الاولويات التي تحدث بشأنها رئيس الجمهورية قيس سعيد في خطاب أداء اليمين في البرلمان مؤخرا، مرورا بتحقيق التنمية المتوازنة للمناطق الداخلية، وصولاً إلى دعم النمو الاقتصادي الوطني بشكل مستدام.

و يتيح استقطاب مشاريع كبرى تعزيز صورة بلادنا كوجهة استثمارية جاذبة، مما يزيد من ثقة المستثمرين المحليين والدوليين ويشجعهم على توجيه أموالهم نحو دعم الاقتصاد التونسي لان تحفيز الاستثمار لا يتعلق بتعديل النصوص القانونية فحسب، كما أن المشاريع الكبرى، خاصة في المجالات الحيوية تعد عاملا اساسيا في تحقيق الاستقلالية الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الواردات، وتعزيز القدرة التنافسية للبلاد وزيادة فرص نمو اقتصادها بشكل صحي .

و في سياق تدارك التأخير في تنفيذ المشاريع الكبرى، اتخذت الحكومة مؤخرا خطوة مهمة، من خلال اصدار أمر جديد يهدف إلى تبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة تنفيذ هذه المشاريع، ووضع إطار جديد من شأنه تقليص البيروقراطية وتسهيل سلاسة الإنجاز عبر آليات محددة لتجاوز العقبات البيروقراطية التي كانت تشكل عائقا كبيرا أمام المشاريع الحيوية.

كما أن الأمر الحكومي يعزز الدور الرقابي والمتابعة الفورية لمدى تقدم تنفيذ المشاريع ويضمن تقديم التقارير المنتظمة وتفعيل الرقابة الفورية للجهات المعنية، و تعد هذه الخطوة، على الرغم من كونها انعكاسا لتوجه نحو التزام حقيقي لتحسين مناخ الأعمال وتطوير السياسات التنموية التي تخدم مصلحة تونس وشعبها.

خطوات جيدة يجب تعزيزها

كما يشير احداث لجنة المشاريع الكبرى في وقت سابق  إلى خطوة مهمةنحو معالجة المشكلات التي تواجه المشاريع الكبرى من خلال تعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف المتدخلة، حيث تتولى هذه اللجنة متابعة التقدم في كل مشروع وضمان تذليل الصعوبات التي قد تواجهها.

وتتطلع هذه اللجنة التي تقودها رئاسة الحكومة  إلى تحقيق تغييرات ملموسة في وتيرة إنجاز المشاريع العمومية الكبرى عن طريق توفير بيئة تنظيمية متكاملة تعزز التعاون بين الوزارات المعنية وتضمن تحقيق النتائج المرجوة.

ولكي نرى آثارا حقيقية لهذه الخطوات الإصلاحية، يجب التفكير في حلول متكاملة تهدف إلى تحفيز المشاريع الكبرى بشكل أكبر، منها إنشاء صندوق وطني لدعم المشاريع الكبرى يوفر الموارد المالية اللازمة لاستمرار المشاريع، خاصة في ظل التحديات التمويلية التي تواجهها البلاد.

كما بات من المستوجب تعزيز التعاون بين القطاعين العام و الخاص في تمويل بعض المشاريع الإستراتيجية، الأمر الذي يعزز من موارد الدولة ويقلل من الأعباء المالية عليها.

ومن أجل تحسين مناخ الأعمال وزيادة جذب المستثمرين، تحتاج بلادنا اليوم و ليس غدا الى ثورة تشريعية تنتهي الى استبدال كل القوانين الاقتصادية المتخلفة بقوانين اخرى تواكب الوضع الراهن واهمها قانون الاستثمار و مجلة الصرف، ال جانب فرض تسهيلات إدارية جديدة تعزز من الثقة في الاستثمار في المشاريع الكبرى، وتقلل من الإجراءات المعقدة التي كانت تشكل عائقا حقيقيا أمام بدء وتنفيذ المشاريع. كما ينبغي أن ترافق هذه الإجراءات آليات رقابية متطورة تضمن متابعة دقيقة لمراحل تنفيذ المشاريع وتوفير الشفافية في التقارير المقدمة للجهات المعنية.

وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد التونسي، فإن الدولة بحاجة إلى بناء رؤية واضحة ومتكاملة لتحفيز الاستثمار العام والخاص في المشاريع الكبرى، وأن تكون هذه الرؤية مدعومة بإرادة سياسية هي اليوم متوفرة ، وتضمن تنفيذ المشاريع الكبرى بشكل يتوافق مع مصلحة الوطن والمواطن.

وبنحو اجمالي، تبدو بلادنا على أعتاب مرحلة جديدة تستدعي تعزيز الجهود لتحقيق نقلة نوعية في القطاع التنموي، فلا تنمية مستدامة دون مشاريع كبرى تستجيب لحاجيات الحاضر وتؤسس لمستقبل اقتصادي متين.

Related posts

انخفاض في أسعار البيض ولحوم الدواجن

root

خالد بالتين: قوارير الغاز متوفرة

صابر الحرشاني

بقيمة 90 مليون دولار..تمويل جديد لتونس من البنك الدولي

Rahma Khmissi