من رهانات الباكالوريا…النجاح بالاستحقاق لا بالغش


انطلقت يوم امس الأربعاء 3 جوان 2026 اختبارات الدورة الرئيسية لامتحان الباكالوريا في تونس وسط مشاركة قياسية تجاوزت 162 ألف مترشح، في محطة تعد من أهم المحطات التعليمية في حياة التلاميذ وعائلاتهم.
و قد اثير جدلا واسعا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي و العائلات التونسية بشأن تسريب اختبار الفلسفة على الوسائط الاجتماعية بعد دقائق من انطلاق الاختبارات.
وقد سخرت وزارة التربية مختلف الإمكانيات البشرية واللوجستية والتنظيمية لتأمين الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، مع التشديد على التصدي لكل أشكال الغش التي باتت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الامتحانات الوطنية.
ويبلغ عدد المترشحين للدورة الرئيسية لهذه السنة 162 ألفا و435 مترشحا، بزيادة تفوق عشرة آلاف مترشح مقارنة بالدورة السابقة، وهو ما يعكس أهمية هذا الموعد الوطني وما يرافقه من آمال وطموحات لدى آلاف الأسر التونسية التي ترى في الباكالوريا بوابة نحو التعليم العالي ومستقبلا مهنيا أفضل.

الغش اعتداء على تكافؤ الفرص

ورغم أن الامتحان يمثل تتويجا لسنوات طويلة من الدراسة والاجتهاد، فإن بعض المترشحين مازالوا يقعون في فخ التفكير في الغش باعتباره وسيلة مختصرة لتحقيق النجاح. غير أن هذا التصور يبقى خاطئا من الناحيتين الأخلاقية والعملية، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بالعدد المسجل في كشف الأعداد فقط، بل بالمعارف والمهارات التي اكتسبها التلميذ خلال مسيرته التعليمية.
فالغش في جوهره اعتداء على مبدأ تكافؤ الفرص، فعندما يقضي تلميذ أشهرا طويلة في المراجعة والعمل المتواصل ثم يجد نفسه في منافسة مع شخص اعتمد وسائل غير قانونية للحصول على الإجابة، فإن ذلك يمثل ظلما واضحا للمجتهدين وإهدارا لقيمة الجهد والمثابرة. ولهذا السبب تحرص الدول المتقدمة والأنظمة التربوية الحديثة على محاربة الغش باعتباره سلوكا يهدد مصداقية الشهادات العلمية ويقوض الثقة في المنظومة التعليمية.
كما أن النجاح بالغش يحمل في داخله بذور الفشل المستقبلي، فالطالب الذي يحصل على شهادة لا تعكس مستواه الحقيقي سيجد نفسه عاجزا عن مجاراة متطلبات الدراسة الجامعية أو الحياة المهنية. وقد ينجح في اجتياز امتحان واحد، لكنه سيصطدم عاجلا أم آجلا بحقائق المعرفة والكفاءة المطلوبة في سوق الشغل. فالمهندس والطبيب والمحامي والأستاذ وكل صاحب اختصاص مطالب بامتلاك مهارات حقيقية لا يمكن تعويضها بأجوبة منقولة أو معلومات مسربة.

لا لترسيخ قناعات خاطئة

ويؤكد مختصون في التربية أن أخطر ما في الغش ليس المخالفة القانونية في حد ذاتها، بل ترسيخ قناعة خاطئة لدى الشاب مفادها أن النجاح يمكن أن يتحقق دون جهد. وهذه القناعة قد تتحول لاحقا إلى سلوك دائم في الحياة المهنية والاجتماعية، حيث يصبح التحايل بديلا عن العمل والكفاءة، وهو ما ينعكس سلبا على الفرد وعلى المجتمع بأكمله.
ولا تقتصر مخاطر الغش على الجانب الأخلاقي فحسب، بل تشمل أيضا جوانب قانونية وإجرائية. فالوزارة تواصل سنويا تشديد الرقابة داخل مراكز الامتحانات وتطوير وسائل الكشف عن مختلف محاولات الغش، مع اعتماد إجراءات صارمة ضد المخالفين. كما تم التأكيد هذه السنة على عدم التسامح مع أي محاولة للمساس بنزاهة الامتحانات أو استغلال التلاميذ عبر الترويج لأوهام تتعلق بتسريب المواضيع أو بيع وسائل غش إلكترونية
وفي السنوات الأخيرة، ساهم التطور التكنولوجي في ظهور وسائل جديدة للغش، من بينها السماعات الدقيقة والأجهزة الإلكترونية المخفية، غير أن هذا التطور رافقه أيضا تطور في آليات المراقبة والتأمين، ما جعل نسبة كبيرة من محاولات الغش تنتهي باكتشافها وإحالة أصحابها على العقوبات المنصوص عليها.
وتؤكد وزارة التربية بشكل متواصل أن حماية قيمة الشهادة الوطنية تمر عبر الحزم في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وفي المقابل، فإن قصص النجاح الحقيقية التي يفتخر بها المجتمع التونسي كانت دائما ثمرة اجتهاد ومثابرة وإيمان بالقدرات الذاتية، فالتلميذ الذي يحقق النجاح بعرق جبينه يكتسب إلى جانب الشهادة ثقة في النفس وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، أما من ينجح بالغش فإنه يبقى أسير الشك والخوف من انكشاف حقيقة مستواه، ويشعر في قرارة نفسه أن ما حققه لم يكن نتيجة استحقاق فعلي.
وتكتسي الباكالوريا أهمية خاصة لأنها تجربة حياتية يتعلم خلالها الشاب معنى المسؤولية والانضباط والثقة بالنفس. ولذلك فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى المترشحين اليوم هي أن قيمة النجاح لا تكمن في الحصول على عدد معين مهما كان مرتفعا، وإنما في الوصول إلى تلك النتيجة بطريقة شريفة ونزيهة.
كما أن الأسرة والمؤسسة التربوية مطالبة جميعها بالمساهمة في ترسيخ ثقافة الاستحقاق، و بدل التركيز على النتيجة النهائية فقط، يجب تثمين الجهد المبذول طوال السنة الدراسية وتشجيع التلميذ على الاعتزاز بعمله الشخصي مهما كانت النتيجة. فالرسوب بعد اجتهاد يمكن تجاوزه بالتدارك والعمل، أما النجاح المبني على الغش فإنه يظل نجاحا شكليا لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي في الحياة.
ويبقى النجاح الحقيقي ذلك الذي يتحقق بالاجتهاد والمعرفة والثقة بالنفس، أما الغش، مهما تعددت أشكاله ووسائله، فلن يمنح صاحبه سوى نتيجة مؤقتة وسراب تفوق سرعان ما يتلاشى أمام متطلبات الواقع.

Related posts

الافتتاحية- الأزمة أوسع من غرفة الـ”VAR”

صابر الحرشاني

الطبيب الخاص لنور الدين البحيري: حياته في خطر شديد ولن يستطيع الصمود لأيام قادمة

root

مقترح لإحداث صندوق صيانة المدارس بتمويل من خطايا جرائم الثلب

صابر الحرشاني