بسبب الغاء المناولة و ضغوط القانون الفرنسي: صعوبات أمام مراكز النداء في تونس

صابر الحرشاني

يجد قطاع مراكز النداء في تونس نفسه أمام مرحلة جديدة تفرض عليه مراجعة جزء من طرق عمله، في ظل التغييرات التي جاء بها قانون منع مناولة اليد العاملة والتشغيل الهش من جهة، والتشريع الفرنسي الجديد الذي يضيّق على التسويق الهاتفي التجاري من جهة أخرى.

ويعد قطاع مراكز النداء من القطاعات التي وفرت آلاف مواطن الشغل في تونس، مستفيدا خصوصا من الطلب القادم من الأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها السوق الفرنسية، غير أن هذا النموذج يواجه اليوم ضغوطا متزامنة قد تنعكس على طريقة تشغيل المؤسسات وعلى حجم الخدمات التي تطلبها الشركات الأجنبية.

منع المناولة

و في تونس، أدخل القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنقيح بعض أحكام مجلة الشغل تغييرات مهمة على علاقة الشغل، من بينها منع مناولة اليد العاملة والحد من بعض أشكال التشغيل الهش، مع تكريس أوسع للعلاقة المباشرة بين العامل والمؤجر.

ولا يعني ذلك منع نشاط مراكز النداء أو إغلاق الشركات التي تعمل في هذا المجال، وإنما يفرض عليها مراجعة طرق تشغيل جزء من أعوانها، خاصة عندما تكون العلاقة بين العامل والمؤسسة التي يؤدي لديها العمل قائمة عبر شركة وسيطة.

وهذه النقطة تكتسي أهمية بالنسبة إلى قطاع يعتمد بدرجات متفاوتة على شركات المناولة وخدمات التشغيل لفائدة مؤسسات أخرى، فمع دخول القواعد الجديدة حيز التطبيق، أصبحت المؤسسات مطالبة بالتثبت من طبيعة عقودها وترتيباتها مع العمال ومدى توافقها مع التشريع الجديد، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى ارتفاع كلفة التشغيل وإعادة تنظيم الموارد البشرية، لكن الضغط ليس من الداخل فقط.

القانون الفرنسي يقلب المعادلة

وفي فرنسا، دخل في 11 أوت 2026 تشريع جديد يفرض قيودا مشددة على التسويق الهاتفي التجاري غير المطلوب، وأصبحت القاعدة الجديدة تقوم على ضرورة حصول الشركات على موافقة مسبقة من المستهلك قبل الاتصال به هاتفيا لأغراض تجارية، مع وجود استثناءات محددة.

وتهم هذه التغييرات مراكز النداء التونسية بدرجة خاصة بسبب ارتباط جانب مهم من نشاط القطاع بالسوق الفرنسية.

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين مراكز الاتصال بصفة عامة والتسويق الهاتفي تحديدا، إذ إن القانون الفرنسي لا يمنع خدمات مراكز النداء، ولا يمنع الشركات الفرنسية من إسناد خدمات إلى مؤسسات في تونس، غير أن المتضرر المحتمل هو النشاط الذي يقوم أساسا على الاتصال الهاتفي غير المطلوب بالمستهلكين بهدف بيع منتج أو خدمة، أما خدمات الدعم الفني، وخدمة الحرفاء، وما بعد البيع، واستقبال الاتصالات، وبعض الخدمات القائمة على موافقة مسبقة من الحريف، فتظل مختلفة من حيث طبيعتها القانونية.

وتكمن حساسية الوضع بالنسبة إلى تونس في وزن السوق الفرنسية داخل القطاع فقد أشارت معطيات قطاعية إلى وجود نحو 250 مؤسسة تنشط في خدمات مراكز النداء والعلاقات مع الحرفاء، وتشغل أكثر من 27 ألف شاب، فيما تمثل فرنسا الحصة الأكبر من نشاط القطاع الموجه إلى الخارج، وبالتالي، فإن أي تراجع في الطلب الفرنسي على التسويق الهاتفي يمكن أن تكون له انعكاسات على بعض الشركات التونسية، خصوصا تلك التي تعتمد بشكل كبير على المكالمات الصادرة إلى المستهلكين الفرنسيين.

ولا يعني ذلك بالضرورة موجة إغلاق لمراكز النداء أو فقدان عشرات الآلاف من مواطن الشغل دفعة واحدة، فالأثر سيختلف من مؤسسة إلى أخرى بحسب طبيعة الخدمات التي تقدمها ومدى اعتمادها على التسويق الهاتفي، غير أن المؤسسات الأكثر ارتباطا بهذا النشاط ستكون مطالبة بإيجاد بدائل، سواء من خلال تغيير طبيعة الخدمات أو تنويع الأسواق.

ومن بين الخيارات المطروحة تطوير خدمات الدعم الفني وخدمة الحرفاء، والانتقال نحو خدمات رقمية أكثر تعقيدا، إلى جانب اعتماد المبيعات القائمة على طلب أو موافقة مسبقة من المستهلك، وهي مجالات يمكن أن تقلل من ارتباط القطاع بالمكالمات التجارية غير المطلوبة.

كما يمكن لتنويع الأسواق الخارجية أن يصبح عاملا مهما في المرحلة المقبلة، خاصة أن الاعتماد الكبير على سوق واحدة يجعل المؤسسات أكثر عرضة للتغييرات القانونية والاقتصادية التي تحدث فيها.

وهكذا، فإن قطاع مراكز النداء في تونس لا يواجه قانونا يمنع نشاطه، سواء في تونس أو فرنسا، وإنما يواجه تغييرا في القواعد التي تحكم جزءا من نموذج عمله. ففي الداخل، أصبح تشغيل العمال خاضعا لضوابط أكثر صرامة بعد منع مناولة اليد العاملة، وفي الخارج أصبح التسويق الهاتفي للمستهلك الفرنسي أكثر تقييدا.

وبين التغييرين، تبرز الحاجة أمام القطاع إلى إعادة ترتيب أولوياته. فالمؤسسات التي ستتمكن من تطوير خدماتها والابتعاد تدريجيا عن الاعتماد المفرط على التشغيل الهش أو التسويق الهاتفي غير المطلوب ستكون أقدر على المحافظة على نشاطها.

Related posts

تأخير النظر في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد

Na Da

قفصة : المخابز قد تعلق العمل يوم غرة فيفري

Anissa Taha

صفاقس: أهالي منزل شاكر يغلقون الطريق أمام شاحنات نقل الفضلات

root