غدا أولى جلساته….هذه انتظارات التونسيين من المجلس الأعلى للتربية

صابر الحرشاني

يعقد المجلس الأعلى للتربية والتعليم غدا الاثنين أولى جلساته،و تتجه الأنظار إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه في إصلاح المنظومة التربوية، في ظل تعدد الملفات المطروحة على المدرسة والجامعة والتكوين المهني، وتراكم الإشكالات المرتبطة بالمناهج والانقطاع المدرسي والتوجيه وآفاق التشغيل.

ويكتسب المجلس موقعه من الدستور الذي نص على إحداثه باعتباره هيئة تتولى إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى المتعلقة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل. ويحدد المرسوم عدد 2 لسنة 2024 الإطار المنظم لعمله وهياكله، ومنها هيئة الخبراء وهيئة التقييم، بما يتيح له إعداد الدراسات وتقييم السياسات والبرامج وإبداء الرأي في الملفات الداخلة ضمن اختصاصه.

إصلاح المنظومة التربوية

وفي مقدمة الملفات التي ينتظر أن ينظر فيها المجلس مستقبل المنظومة التربوية بمختلف مراحلها. فالخطط الكبرى المتعلقة بالتعليم تحتاج إلى تصور يربط بين مراحل المسار التعليمي، من المدرسة إلى الجامعة والتكوين المهني، ويأخذ في الاعتبار حاجيات الاقتصاد وآفاق التشغيل.

ويتيح اختصاص المجلس في هذا المجال تقديم رؤية حول الخيارات الكبرى للمنظومة، ودراسة آثار السياسات المعتمدة ونتائجها، ثم إبداء الرأي بشأن التوجهات المستقبلية. ويصبح عمل هيئة الخبراء وهيئة التقييم داخل المجلس عنصرا أساسيا في توفير المعطيات والدراسات التي تستند إليها هذه الآراء.

وتأتي المناهج والبرامج التعليمية ضمن الملفات التي يمكن أن تدخل في أعمال المجلس من زاوية التقييم والدراسة وإبداء الرأي. ويطرح هذا الملف أسئلة تتعلق بمحتوى التعلمات، وتدرجها بين مختلف المراحل، ومدى ملاءمتها للتحولات العلمية والتكنولوجية وحاجيات سوق الشغل.

وتتصل أهمية هذا الملف أيضا بنتائج التلاميذ في مختلف مراحل التعليم وبقدرة المدرسة على بناء المعارف والمهارات التي يحتاجها المتعلم في مراحل لاحقة من دراسته وحياته المهنية.

ومن المنتظر أن تكون الدراسات والتقييمات المتعلقة بهذه الملفات قاعدة لإبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى، وفق الصلاحيات المسندة إلى المجلس.

الحد من الانقطاع المدرسي

ويمثل الانقطاع عن الدراسة أحد الملفات الاجتماعية والتربوية التي تحتاج إلى تشخيص دقيق. وتختلف أسبابه بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعائلية، وظروف الدراسة والنقل والإقامة، إضافة إلى علاقة التلميذ بالمؤسسة والمناهج والتوجيه.

ويستطيع المجلس، عبر هياكله المختصة، دراسة هذه الظاهرة وتقييم السياسات المعتمدة بشأنها، مع تحديد حجمها وتوزعها حسب المراحل والجهات والفئات، ثم تقديم رأي مؤسساتي حول الخيارات الوطنية المتعلقة بها.

وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة لأن معالجة الانقطاع تتداخل فيها سياسات التربية والشؤون الاجتماعية والنقل والتكوين والتشغيل، وهي مجالات تتقاطع مع الاختصاصات التي أدرجها الدستور ضمن مجال عمل المجلس.

ملائمة التعليم مع سوق الشغل

ومن الملفات التي تفرض نفسها على المجلس العلاقة بين المسارات التعليمية والتكوينية وحاجيات سوق الشغل. فقد أصبح اختيار الاختصاص ومسار التكوين مرتبطا بدرجة أكبر بفرص الاندماج المهني، في وقت تواجه فيه أعداد من حاملي الشهادات صعوبات في الانتقال من الدراسة إلى العمل.

ويتيح اختصاص المجلس في التربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل النظر إلى هذه الملفات ضمن رؤية واحدة، ودراسة مدى ملاءمة الاختصاصات والمسارات التكوينية للتحولات التي يعرفها الاقتصاد.

وتتعلق المهمة هنا بإنتاج الدراسات والتقييمات وإبداء الرأي في الخيارات الوطنية الكبرى، بينما تبقى القرارات التنفيذية والتنظيمية من اختصاص الهياكل الحكومية المعنية.

العدالة التربوية

ويطرح التفاوت بين الجهات في ظروف التعلم ونتائج التعليم ملفا آخر يمكن أن يندرج ضمن أعمال المجلس. فالفوارق في البنية الأساسية والتجهيزات والنقل المدرسي والموارد البشرية والظروف الاجتماعية تؤثر في المسار الدراسي وفي فرص النجاح.

ويمكن لهيئة التقييم داخل المجلس أن تنظر في نتائج السياسات العمومية ومدى قدرتها على تقليص هذه الفوارق، بينما توفر هيئة الخبراء الدراسات اللازمة لفهم أسبابها وآثارها.

ويكتسب هذا الجانب أهمية عند إعداد أو تقييم الخطط الوطنية الكبرى، باعتبار أن تكافؤ الفرص في التعليم يرتبط بالخيارات العامة للمنظومة وبالإنفاق العمومي وتوزيع الموارد.

تقييم السياسات

كما تبرز هنا إحدى أهم الوظائف العملية للمجلس: تقييم السياسات والبرامج المتعلقة بمجال اختصاصه. فالمجلس يضم هيئة تقييم وهيئة خبراء، وهو ما يسمح له بالاشتغال على النتائج والمعطيات والمؤشرات، ومقارنة الأهداف المعلنة بما تحقق فعليا.

ويشمل ذلك، بحسب طبيعة الملفات المعروضة عليه أو التي يتعهد بها، دراسة البرامج والخطط والسياسات ذات الصلة بالتربية والتعليم والبحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل.

ويستطيع المجلس أيضا التعهد تلقائيا بالمسائل التي تدخل ضمن اختصاصه، إلى جانب المسائل التي تحال إليه من الجهات المخولة دستوريا وقانونيا.

وتكمن خصوصية المجلس في طبيعة الصلاحية التي أسندها إليه الدستور. فهو يقدم الرأي في الخطط الوطنية الكبرى، وتدعمه في ذلك هياكل للخبرة والتقييم. لذلك ينتظر منه إنتاج دراسات وتشخيصات وتقييمات دقيقة تساعد على بناء الخيارات المتعلقة بالمنظومة التربوية.

وسيكون الاختبار الأساسي للمجلس في طبيعة الملفات التي يختار تناولها، وفي مستوى المعطيات التي يستند إليها، وفي قدرته على تحويل نتائج الخبرة والتقييم إلى آراء واضحة حول السياسات الوطنية الكبرى.

وتطرح أمامه، منذ بداية عمله، ملفات متشابكة: مستقبل المنظومة التعليمية، البرامج والمناهج، الانقطاع المدرسي، العلاقة بين التكوين والتشغيل، والفوارق بين الجهات. وهي ملفات تتيح للمجلس ممارسة دوره الدستوري ضمن حدود اختصاصه، عبر الدراسة والخبرة والتقييم وإبداء الرأي.

وفي ظل الحاجة إلى إصلاحات تربوية متراكمة، ستكون قيمة المجلس مرتبطة بمدى قدرته على تقديم قراءة مؤسساتية مبنية على الأرقام والنتائج، وعلى تحديد مواطن الخلل في السياسات القائمة والخيارات التي تستحق المراجعة ضمن الخطط الوطنية الكبرى.

Related posts

وفد من البنك الإفريقي في زيارة عمل إلى تونس لمتابعة سير المشاريع التنموية التّي يساهم في تمويلها

Na Da

جندوبة: الحماية المدنية ترافق عائلة جزائرية إلى معبر ببوش وتُؤمن الإقامة لأخرى

مجلس النواب يطرح اليوم مشروع قانون لتعديل ميزانية الدولة للسنة الحالية