لماذا لا تقنع الأدلة أنصار الأرض المسطحة؟ دراسة حديثة تجيب؟

صابر الحرشاني

لماذا يمكن لشخص أن يرى دليلا أمامه، ثم يصل منه إلى نتيجة لا يثبتها الدليل نفسه؟ سؤال من هذا النوع يقف في قلب دراسة فلسفية حديثة نشرت في مجلة “أكتا أناليتيكا” وخصصت جزءا من مناقشتها لأنصار نظرية الأرض المسطحة، ليس بهدف اختبار شكل الأرض، وإنما لفهم الطريقة التي يتعامل بها أصحاب نظريات المؤامرة مع الأدلة التي يستندون إليها.

الدراسة، التي أعدها أوكه مونتيسوري وهارمن غيجسن، تنطلق من نقاش فلسفي قديم حول العلاقة بين الاعتقاد والدليل.

ويشير الباحثان إلى أن النقاش حول نظريات المؤامرة ركز كثيرا على طبيعة الأدلة التي يستند إليها أصحابها، مثل شهادات الشهود والتسجيلات والوثائق والبيانات والملاحظات المباشرة، لكن الباحثان يقترحان أن النظر إلى هذه الأدلة وحدها لا يكفي لفهم كيفية تكوّن القناعة.

الدليل لا يتحدث وحده

الفكرة الأساسية في الدراسة هي أن امتلاك معلومة أو ملاحظة شيء ما لا يعني بالضرورة فهم ما يمكن أن يثبته ذلك الشيء.

ويستخدم الباحثان مفهوم «تقدير الدليل» للدلالة على قدرة الشخص على إدراك العلاقة بين الدليل والنتيجة التي يريد استخلاصها منه. فالعثور مثلا على أحفورة يمكن أن يكون دليلا مهما على وجود الديناصورات، لكن الشخص الذي يرى الأحفورة ولا يدرك علاقتها بهذا الاستنتاج لا يكون قد استخدم الدليل بالطريقة نفسها التي يستخدمها بها الباحث المتخصص، ومن هنا تميز الدراسة بين امتلاك الدليل وبين فهم دلالته، وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بنظريات المؤامرة، لأن الشخص قد يجمع عددا كبيرا من الملاحظات والتسجيلات والقصص، لكنه قد يربط بينها بطريقة لا تدعم بالضرورة النتيجة التي يصل إليها.

الأرض المسطحة

و تستخدم الدراسة الاعتقاد بأن الأرض مسطحة بوصفه أحد الأمثلة على ما تسميه حالة «عدم تقدير الدليل الأولي»، فأنصار الأرض المسطحة، بحسب المثال الذي يناقشه الباحثان، يستندون أحيانا إلى ملاحظات شخصية مباشرة.

ومن الحجج التي يشير إليها البحث قول بعضهم إن الإنسان يستطيع النظر حوله ولا يرى انحناء الأرض، وبالتالي يبدو السطح مستويا، لكن الباحثين يلفتان إلى أن الملاحظة المباشرة هنا لا تكفي لإثبات النتيجة فعدم رؤية الانحناء بالعين المجردة من موقع محدود لا يعني أن سطح الأرض مسطح، لأن الملاحظة نفسها يمكن أن تكون متوافقة مع وجود انحناء لا يظهر من المسافات التي يراها الإنسان عادة.

وبحسب الدراسة، فإن المشكلة لا تكمن فقط في المعلومة التي يتم الاستناد إليها، وإنما في العلاقة التي يقيمها الشخص بين هذه المعلومة والنتيجة النهائية، وهذا التفريق مهم، لأن الباحثين لا يقولان إن كل شخص يؤمن بنظرية مؤامرة يتعامل مع الأدلة بالطريقة نفسها، بل يميزان بين حالات مختلفة.

ثلاث طرق للتعامل مع الدليل

و تقترح الدراسة تصنيفا يقوم على مدى قدرة الشخص على تقدير الأدلة التي يستند إليها، وفي الحالة الأولى، يكون الشخص قادرا على فهم ما تدعمه الأدلة فعلا، ويستخلص منها نتائج تتناسب معها.

وفي الحالة الثانية، يفهم الشخص جزءا من العلاقة بين الدليل والاستنتاج، لكنه يذهب أبعد مما تسمح به الأدلة. هنا لا تكون المشكلة في تجاهل الدليل بالكامل، وإنما في المبالغة في تفسيره.

أما الحالة الثالثة، وهي التي تركز عليها الدراسة، فتتمثل في الوصول إلى نتيجة لا تدعمها الأدلة الأولية التي يتم الاستناد إليها بدرجة كافية.

ويرى الباحثان أن هذا النوع الثالث يحتاج إلى تفسير إضافي، لأن وصف صاحبه ببساطة بأنه يتجاهل الأدلة لا يشرح كيف تتكون القناعة أصلا.

يقترح الباحثان التمييز بين نوعين من الأدلة: الأدلة الأولية والأدلة الثانوية.

و الأدلة الأولية هي المعلومات المرتبطة مباشرة بالموضوع، مثل تسجيل أو وثيقة أو ملاحظة أو واقعة مادية أما الأدلة الثانوية فتشمل شهادات الأشخاص الذين يفسرون هذه الأدلة ويخبرون الآخرين بما يفترض أن تعنيه.

وهذا التفريق يساعد، بحسب الدراسة، على فهم كيفية تكوّن بعض المعتقدات التي تبدو للباحثين غير متوافقة مع الأدلة الأولية.

فالشخص الذي لا يستطيع بنفسه استنتاج ما يعنيه تسجيل أو صورة أو تجربة معينة قد يعتمد على شخص آخر يقول له إن هذه المادة تثبت نتيجة محددة. وبذلك لا تكون العلاقة بين الشخص والدليل الأولي مباشرة، وإنما تمر عبر تفسير شخص آخر.

لماذا يهم مصدر المعلومة؟

تلفت الدراسة الانتباه أيضا إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الشهادات في تكوين الاعتقادات.

فمعظم الناس لا يستطيعون التحقق بأنفسهم من جميع المعلومات التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية. ولذلك يعتمد الإنسان باستمرار على خبراء وأطباء ومهندسين وصحفيين وباحثين وغيرهم.

المشكلة التي تناقشها الدراسة ليست في الاعتماد على شهادات الآخرين في حد ذاته، وإنما في السؤال عن الظروف التي تجعل الاعتماد على شهادة معينة مبررا.

فإذا كان الشخص الذي يقدم التفسير غير موثوق، أو كانت هناك أدلة قوية تناقض ما يقوله، يصبح الاعتماد على شهادته أكثر إشكالا.

وهنا تكتسب المجتمعات التي تتبادل التفسيرات نفسها أهمية خاصة، لأن الفرد قد لا يتعامل فقط مع دليل مباشر، وإنما مع شبكة من الأشخاص الذين يقدمون له تفسير ذلك الدليل.

الدراسة لا تختبر شكل الأرض، ولا تقدم تجربة جديدة حول كرويتها، ولا تدعي اكتشاف دليل فيزيائي جديد ضد النموذج العلمي للأرض.

بل تستخدم أنصار الأرض المسطحة مثالا ضمن بحث فلسفي أوسع عن كيفية تقدير الأدلة وتكوين الاعتقادات.

ويشير الباحثان إلى أن بعض الحجج التي يستند إليها أنصار الأرض المسطحة، مثل الاعتماد على الملاحظة الشخصية لغياب الانحناء، لا تكفي وحدها للوصول إلى النتيجة التي يتبنونها. كما يشيران إلى أن هناك ملاحظات أخرى يمكن أن تدخل في تقييم المسألة، مثل اختفاء السفن تدريجيا خلف الأفق.

وبذلك تصبح المسألة التي تطرحها الدراسة مختلفة عن السؤال الشائع: “ماذا رأيت بعيني؟”

Related posts

الإعلام الثقافي بين المعرفة والتأثير: قراءة في مداخلة السعودي حمزة كاملي في معرض تونس الدولي للكتاب

بالمركز الثقافي والرياضي للشباب ببن عروس: نجاح باهر لمهرجان موسيقى الطفولة في دورته الأولى

تنتظم من 23 إلى 28 جوان: 11 بلدا في الدورة الخامسة للمهرجان الدولي لفن سيرك الشارع

root