قبل موسم زراعة الحبوب.. غدا تظاهرة للتقييم

صابر الحرشاني

ينتظم غدا الخميس، بمدينة العلوم بتونس، موعد وطني لتقييم موسم تجميع حبوب صابة 2026 والاستعداد لموسم البذر 2026-2027 وهي تظاهرلة مضمونها أوسع بكثير من حصيلة موسم فلاحي ينتهي واستعدادات لموسم جديد تبدأ.

ليس ملف الحبوب في تونس ملفا موسميا بالمعنى الضيق، فهو يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وبالخبز والسميد والكسكسي والعجين الغذائي، كما يرتبط بكلفة التوريد وبقدرة الدولة على تأمين حاجيات البلاد وبقدرة الفلاح على مواصلة الإنتاج في ظروف مناخية واقتصادية شديدة التعقيد. ولذلك تكتسب الندوة الوطنية المخصصة لتقييم موسم تجميع حبوب صابة 2026 والاستعدادات لموسم البذر 2026-2027 أهمية تتجاوز عرض حصيلة موسم فلاحي، لأن القيمة الحقيقية لهذا الموعد تكمن في القدرة على تحويل نتائج الموسم المنقضي إلى قرارات عملية للموسم المقبل.

11 مليون قنطار..

وتشير المعطيات المقدمة من الرئيسة المديرة العامة لديوان الحبوب سلوى بن حديد إلى تجميع نحو 11 مليون قنطار من الحبوب إلى حدود منتصف أوت، من بينها حوالي 8 ملايين قنطار من القمح الصلب، أي نحو 75 بالمائة من الكميات المجمعة، إضافة إلى حوالي مليون و700 ألف قنطار من القمح اللين. وتمثل هذه الأرقام حصيلة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لقراءة وضع قطاع الحبوب، لأن الرقم الإجمالي لا يوضح مستوى المردودية ولا يكشف الفوارق بين مناطق الإنتاج أو حجم الخسائر أو نسبة الحاجيات الوطنية التي يغطيها الإنتاج المحلي.

وتحتاج هذه الأرقام إلى وضعها في سياق أوسع، خاصة مع ارتفاع أهمية كلفة التوريد وتأثيرها المباشر في منظومة الغذاء. كما أن معرفة الكميات المجمعة تظل ناقصة من دون معرفة ما تحقق على مستوى الإنتاج في الهكتار، وما هي أسباب الفوارق بين الجهات والأصناف، ومدى قدرة النتائج المسجلة على التكرار خلال المواسم المقبلة.

ويستحق تراجع إنتاج الشعير بنسبة 42 بالمائة وقفة خاصة، لأن هذا الانخفاض يحتاج إلى تفسير يجمع بين العوامل المناخية وطبيعة الموسم وتوفر المدخلات وكلفة الإنتاج والأصناف المعتمدة ومستوى المردودية. وبالنظر إلى خصوصية سوق الشعير، حيث يبقى الاتجار فيه حرا ويكون سعر الدولة سعر تدخل، فإن قراءة هذا التراجع لا يمكن أن تقتصر على الرقم المسجل، وإنما تحتاج إلى فهم الظروف التي أنتجته وتأثيرها المحتمل في المواسم القادمة.

أما القمح الصلب، الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من الكميات المجمعة، فإن ارتفاع الكمية المنتجة يمثل مكسبا مهما لمنظومة الغذاء التونسية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول أسباب هذا التحسن ومدى إمكانية المحافظة عليه. فالنتيجة الجيدة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تكون قابلة للتفسير والتكرار، وعندما تتحول أسبابها إلى خيارات يمكن البناء عليها في الموسم التالي.

موقع محوري

ويحتل الاستعداد لموسم البذر 2026-2027 موقعا محوريا في الندوة، لأن نتائج موسم 2026 تبدأ في الواقع قبل وضع البذور في الأرض. وتشير المعطيات المعلنة إلى تجميع حوالي 680 ألف قنطار من البذور الممتازة الخام، مع برمجة توفير نحو 500 ألف قنطار منها لفائدة الفلاحين. وتكتسب هذه الكميات أهمية واضحة، غير أن توفير البذور لا يمثل وحده ضمانا لمردودية أفضل.

ويحتاج اختيار البذور إلى ربط الصنف بطبيعة المنطقة وبخصائص التربة وبالظروف المناخية المنتظرة، كما يحتاج إلى مراعاة موعد البذر وتوفر الأسمدة وكلفة المدخلات وقدرة الفلاح على الوصول إلى الإرشاد الزراعي. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بكمية البذور المتوفرة، وإنما أيضا بمدى دقة اختيارها وتوزيعها واستعمالها في المناطق الأكثر ملاءمة لكل صنف.

وتكتسب المعطيات التي يقدمها المعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس حول أداء أصناف الحبوب في مناطق الإنتاج بالشمال أهمية عملية في هذا السياق، لأن نتائج البحث الزراعي لا تحقق قيمتها الكاملة داخل التقارير والدراسات، وإنما عندما تصل إلى القرار الفلاحي وتساعد على اختيار أصناف أكثر ملاءمة للظروف المحلية وتحسين المردودية والحد من المخاطر.

ومن هذا المنطلق، تحتاج إدارة موسم البذر إلى منظومة قرار تبدأ قبل وصول البذور إلى الأرض، وتجمع المعطيات المناخية وخرائط الإنتاج وخصائص التربة ونتائج المواسم السابقة وحاجيات السوق. وكلما تحسنت جودة هذه المعطيات وتكاملت بين الهياكل، أصبحت القرارات الزراعية أكثر قدرة على الاستجابة للواقع وأقل ارتباطا برد الفعل بعد ظهور النتائج.

إدارة المنظومة

وتظهر قائمة المشاركين في الندوة تعدد حلقات منظومة الحبوب، من وزارة الفلاحة وديوان الحبوب والهياكل الفنية إلى الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري والغرفة الوطنية لمجمعي ومخزني الحبوب والبنك الوطني الفلاحي. وهذا التعدد يعكس طبيعة القطاع الذي يبدأ من الحقل، لكنه لا ينتهي عند الحصاد، إذ تتبعه مراحل التجميع والنقل والتخزين والتمويل والتحويل والتوزيع.

وتؤثر كل حلقة في الحلقة التي تليها، ولذلك فإن أي اختلال في التجميع أو التخزين أو النقل يمكن أن يحد من قيمة الإنتاج المحقق في الحقل. كما أن صعوبات التمويل أو تأخر توفير المدخلات أو ضعف التنسيق بين المتدخلين يمكن أن تنعكس في النهاية على قدرة المنظومة كلها على تحويل الإنتاج الفلاحي إلى مخزون غذائي متاح في الوقت والكلفة المناسبين.

وفي هذا الإطار تبرز المنصة الخرائطية الرقمية المخصصة للمساعدة على اتخاذ القرار في تجميع الحبوب، لأن أهمية الرقمنة لا تتوقف عند امتلاك منصة تقنية، وإنما تتحدد بقدرتها على توفير معلومات دقيقة تساعد على معرفة مواقع الكميات المنتجة وحاجيات مراكز التجميع وحجم المخزون ومواطن الاختناق والمسارات الأكثر نجاعة لنقل الحبوب وتخزينها.

وتتطلب هذه المنظومة انتقالا من إدارة الموسم بعد وقوعه إلى إدارة القطاع على أساس المعطيات المتراكمة. ففي إدارة الموسم بالمعنى التقليدي، تبدأ عملية التقييم بعد انتهاء الحصاد، بينما تسمح إدارة المنظومة بقراءة نتائج الموسم السابق واستخلاص نقاط الضعف ثم تعديل القرارات قبل انطلاق الموسم الجديد. وبهذا المعنى، يصبح كل موسم قاعدة بيانات للموسم الذي يليه، بدلا من أن يمثل بداية جديدة مع كل صابة.

ومن هنا تبرز القيمة الفعلية للندوة الوطنية. فالاختبار الحقيقي لا يتعلق بعدد المداخلات أو حجم الأرقام المقدمة، وإنما بقدرة المتدخلين على الخروج بإجابات واضحة حول أسباب تراجع إنتاج الشعير، ومستوى مردودية القمح، وأداء الأصناف، وكفاءة منظومة التجميع، وحاجيات التخزين، وتمويل الموسم، وتوقيت توفير المدخلات.

وتحتاج تونس في ملف الحبوب إلى سياسة تتجاوز منطق الصابة، لأن الصابة الجيدة لا تعني بالضرورة أن كل حلقات المنظومة تعمل بالكفاءة نفسها، كما أن الموسم الصعب لا يعني بالضرورة فشل القطاع. والمقياس الأهم يبقى قدرة المنظومة على فهم نتائج كل موسم وتحويلها إلى قرارات أفضل في الموسم الذي يليه.

Related posts

نهاية الأسبوع الماضي: 225 حريقا و7 وفيات غرقا

Na Da

قبلي: احتجاجات عملة شركة البيئة متواصلة في انتظارالايفاء بكافة التعهدات

root

باجة :إنتشال جثة طفل جرفته المياه إثر الأمطار الغزيرة

root