دون ضمانات او فوائد…..انطلاق قبول مطالب القروض على الشرف

صابر الحرشاني

تدخل منظومة القروض والتمويلات الصغرى على الشرف مرحلة التنفيذ الفعلي في تونس، بداية من يوم الخميس 1 اكتوبر 2026 ، بعد استكمال الإطار القانوني والترتيبي الذي وضع الأسس المنظمة لهذه الآلية الجديدة. ومن المنتظر أن تشرع البنوك المعنية في تلقي مطالب الراغبين في الانتفاع بهذه التمويلات، في خطوة تمثل انتقال المشروع من النصوص القانونية إلى التطبيق العملي.

وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لأحكام القانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024، والأمر عدد 148 لسنة 2026 المؤرخ في 23 جويلية 2026، إلى جانب منشور البنك المركزي التونسي عدد 8 لسنة 2026 المؤرخ في غرة سبتمبر، الذي ضبط الإجراءات العملية المتعلقة باستقبال المطالب ومعالجتها داخل المؤسسات البنكية.

منصة رقمية ومسار إلكتروني

ولن يكون إيداع مطالب الانتفاع بهذه التمويلات عبر المسارات البنكية التقليدية، إذ تنص الإجراءات الجديدة على اعتماد المنصات الرقمية التي تخصصها البنوك المعنية على مواقعها الرسمية.

وبذلك تبدأ رحلة طالب التمويل بالدخول إلى الموقع الإلكتروني للبنك، ثم الولوج إلى المنصة المخصصة للقروض والتمويلات على الشرف، وتعمير الاستمارة الخاصة بالمطلب وإدخال المعطيات والوثائق المطلوبة وفق ما تحدده المنصة والبنك.

ولا تقتصر أهمية المنصة على مجرد استقبال البيانات، بل ترتبط أيضاً بضمان ترتيب المطالب وتوثيق تاريخ إيداعها. فقد أوجب منشور البنك المركزي تسجيل تاريخ وساعة إيداع كل مطلب بواسطة ختم توقيت إلكتروني، مع تسليم صاحب المطلب وصلاً يثبت عملية الإيداع.

ويكتسي هذا الإجراء أهمية خاصة، باعتباره يمنح كل مطلب مرجعاً زمنياً واضحاً منذ لحظة تقديمه، كما يسمح بترتيب المطالب وفق أولوية الإيداع. وفي المقابل، نص المنشور على عدم اعتماد المطالب التي يتم تقديمها بوسيلة أخرى خارج المنصة المحددة.

وتكشف هذه الإجراءات عن رغبة في جعل العملية رقمية منذ بدايتها، مع توحيد مسار استقبال الملفات وتقليص هامش الاختلاف بين المؤسسات البنكية في التعامل مع المطالب. كما أن وجود ختم زمني ووصل إلكتروني للإيداع يوفر لطالب التمويل إثباتاً واضحاً على تقديم مطلبه وتاريخه.

ولم تأتِ منظومة القروض على الشرف دفعة واحدة، بل كانت نتيجة مسار تشريعي وترتيبي امتد أكثر من عامين.

ففي 2 أوت 2024 صدر القانون عدد 41 لسنة 2024 المتعلق بتنقيح بعض أحكام المجلة التجارية وإتمامها، وأدرج ضمن الإطار القانوني أحكاماً جديدة تتعلق بإحداث خطوط تمويل صغرى على الشرف. وينص القانون على تخصيص اعتمادات لا تقل عن 8 بالمائة من أرباح السنة المحاسبية السابقة لهذه الخطوط، على أن تكون قصيرة المدى، لا تتجاوز مدة سدادها سنتين، وبشروط ميسرة ودون فوائض ودون ضمانات. كما نص القانون على أن يتم ضبط شروط ومعايير الإسناد بمقتضى نص ترتيبي.

وجاء الأمر عدد 148 لسنة 2026 المؤرخ في 23 جويلية 2026 ليضع جزءاً أساسياً من هذا الإطار موضع التطبيق، إذ حدد شروط ومعايير إسناد التمويلات الصغرى على الشرف، والفئات المعنية، فضلاً عن طبيعة التمويلات وسقوفها. وقد نشر الأمر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في عدده 75 بتاريخ 24 جويلية 2026.

أما المرحلة التنظيمية الأخيرة، فتمثلت في منشور البنك المركزي التونسي عدد 8 لسنة 2026 المؤرخ في 1 سبتمبر، والموجه إلى البنوك الخاضعة لأحكام الأمر. وقد خصص المنشور أساساً لتنظيم إجراءات استقبال المطالب ومعالجتها، بما يوضح المسار الذي يربط بين طالب التمويل والمؤسسة البنكية منذ لحظة إيداع المطلب إلى حين اتخاذ القرار بشأنه.

وهكذا اكتمل تدريجياً البناء القانوني للمنظومة: قانون يضع المبدأ ويوفر التمويل، وأمر يحدد شروط الانتفاع والسقوف والفئات، ثم منشور للبنك المركزي يضبط الجانب الإجرائي والتطبيقي.

من 5 آلاف إلى 25 ألف دينار

تتميز القروض والتمويلات على الشرف عن القروض البنكية التقليدية بعدد من الشروط، وفي مقدمتها عدم إسنادها بفوائد أو ضمانات، فضلاً عن عدم تحميل طالب التمويل مصاريف أو عمولات تتعلق بدراسة الملف، وفق الإطار المنظم لهذه الآلية.

وتختلف سقوف التمويل بحسب طبيعة المنتفع والغرض من التمويل. ويصل السقف بالنسبة إلى الأفراد إلى 5 آلاف دينار لتمويل حاجيات الاستهلاك، بينما يرتفع إلى 10 آلاف دينار بالنسبة إلى أصحاب المشاريع الصغرى، ويبلغ 25 ألف دينار بالنسبة إلى المؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية.

أما مدة السداد فلا تتجاوز سنتين، مع إمكانية إقرار فترة إمهال تصل إلى ستة أشهر، بما يجعل هذه الآلية موجهة أساساً إلى تمويلات محدودة القيمة وقصيرة المدى.

ولم يكتفِ الإطار القانوني بتحديد سقف التمويل، بل وضع أيضاً قواعد لتوزيع الموارد داخل خط التمويل. وباستثناء البنوك ذات الاختصاص، يتعين تخصيص ما لا يقل عن 50 بالمائة من الاعتمادات لفائدة المؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية.

وبذلك تشمل المنظومة شرائح مختلفة، تبدأ من الأفراد الراغبين في تمويل حاجيات استهلاكية، مروراً بأصحاب المشاريع الصغرى، وصولاً إلى المؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية.

ويبقى حجم الموارد المتاحة للتمويل من أكثر النقاط التي تحظى بالاهتمام. فبما أن القانون ربط حجم خط التمويل بأرباح البنوك خلال السنة المحاسبية السابقة، فإن أرباح سنة 2025 تمثل الأساس المعتمد في احتساب الاعتمادات المخصصة لهذه الآلية.

وتتداول تقديرات مالية مختلفة بشأن الحجم الإجمالي لهذه الموارد. فهناك تقدير يضعها في حدود 120 مليون دينار، أي بما يعادل تقريباً 8 بالمائة من مجموع الأرباح المعنية، في حين تعتمد قراءة أخرى تجميع نتائج البنوك التي حققت أرباحاً خلال سنة 2025، وتقدر الموارد الممكن تعبئتها بنحو 143 مليون دينار، استناداً إلى أرباح مجمعة تناهز 1.787 مليار دينار لدى 17 بنكاً رابحاً.

غير أن هذه الأرقام تبقى في مستوى التقديرات المالية إلى حين تثبيت الحجم الفعلي للاعتمادات التي ستدخل في خط التمويل وفق المعطيات والحسابات المعتمدة من المؤسسات المعنية.

كما أن الآلية لا تنطبق بالضرورة على جميع المؤسسات المصرفية الموجودة في تونس بالطريقة نفسها، إذ تتحدث النصوص عن البنوك الخاضعة لأحكام الأمر والمنشور، مع وجود أحكام خاصة بالبنوك ذات الاختصاص.

ومع دخول القروض والتمويلات الصغرى على الشرف مرحلة التنفيذ، تنتقل المنظومة من مرحلة التشريع والتنظيم إلى اختبارها العملي: عدد المطالب، سرعة دراسة الملفات، حجم التمويلات المسندة، وقدرة البنوك على معالجة الطلبات رقمياً وفق القواعد الجديدة. وستكون هذه المؤشرات، خلال الفترة المقبلة، العامل الأساسي في قياس مدى تحول الآلية من نص قانوني إلى أداة تمويل فعلية للأفراد وأصحاب المشاريع والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية.

Related posts

طقس بارد و امطار متفرقة

صابر الحرشاني

وزارة التجارة تعلن عن خطة مشتركة للتصدي للممارسات الاحتكارية وتأمين تزويد السوق

root

يسرا المحنوش تقدم سهرة استثنائية بقرطاج والجمهور يتفاعل مع أغانيها الخاصة

Rahma Khmissi