انقطاعات الكهرباء كبّدت المؤسسات 1.2 مليار دينار

صابر الحرشاني

كشفت نتائج استبيان أنجزه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول التداعيات الاقتصادية لانقطاعات التيار الكهربائي خلال شهري جويلية وأوت 2026، عن خسائر مباشرة قدرت بـ1.269,6 مليون دينار من القيمة المضافة التي لم تتمكن المؤسسات من إنتاجها بسبب توقف أنشطتها.

وأظهرت نتائج الاستبيان أن 96 بالمائة من المؤسسات المستجوبة تعرضت لانقطاعات كهربائية خلال الفترة المدروسة، فيما أفادت 58,3 بالمائة منها بأنها واجهت هذه الانقطاعات عدة مرات في اليوم الواحد، وهو ما جعل انتظام النشاط الاقتصادي مرتبطا بمدى توفر الكهرباء، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي تعتمد على التجهيزات والآلات في عمليات الإنتاج، أو تحتاج إلى استمرارية التزود بالطاقة لتقديم خدماتها واحترام آجال التزاماتها التجارية.

وشملت العينة مؤسسات صناعية بنسبة 55 بالمائة، ومؤسسات تنشط في الخدمات بنسبة 39 بالمائة، إلى جانب مؤسسات تجارية تمثل 6 بالمائة من مجموع المؤسسات المستجوبة، وتناولت الدراسة الانعكاسات التي خلفتها الانقطاعات المسجلة خلال شهرين من الموسم الصيفي، سواء على أيام العمل أو المداخيل أو التجهيزات أو الاستثمارات المبرمجة.

13 يوم عمل ضائعة

وتبرز أيام النشاط المفقودة أحد أهم المؤشرات التي تكشف حجم الاضطرابات التي واجهتها المؤسسات، إذ بلغ معدل أيام العمل الضائعة 13 يوما خلال شهري جويلية وأوت، بينما صرحت 29 بالمائة من المؤسسات المستجوبة بأنها خسرت 20 يوم عمل على الأقل، أي ما يعادل شهر عمل كامل تقريبا.

ولا تتوقف انعكاسات هذه الخسارة عند توقف الآلات أو تأجيل عمليات الإنتاج، إذ يؤدي تعطل النشاط إلى الإخلال ببرمجة العمل والالتزامات تجاه الحرفاء والمزودين، كما يفرض على المؤسسات إعادة تنظيم عملياتها بعد عودة التيار الكهربائي، خاصة عندما تكون الانقطاعات متكررة خلال اليوم الواحد.

وفي هذا السياق، صرحت 63,5 بالمائة من المؤسسات بتسجيل تراجع في رقم معاملاتها خلال الفترة التي شملها الاستبيان، وارتفعت هذه النسبة إلى 83 بالمائة لدى المؤسسات الصناعية، بما يعكس درجة تأثر هذا القطاع بالاضطرابات الكهربائية مقارنة ببقية الأنشطة، بالنظر إلى ارتباط الإنتاج الصناعي بتشغيل الآلات وخطوط التصنيع والتجهيزات بصورة متواصلة.

كما امتدت التداعيات إلى كلفة الإنتاج، حيث أفادت 30,5 بالمائة من المؤسسات بارتفاع كلفة مدخلاتها، في حين لم تكن الزيادة في أسعار البيع حلا شائعا لمواجهة هذه المصاريف الإضافية، وهو ما يضع المؤسسات أمام ضغط مزدوج يتمثل في تراجع المداخيل من جهة وارتفاع بعض تكاليف النشاط من جهة أخرى.

وسجلت الأضرار المادية بدورها حضورا لافتا في نتائج الاستبيان، إذ صرحت قرابة ثلثي المؤسسات المستجوبة بتعرض تجهيزاتها لأضرار مرتبطة بالانقطاعات الكهربائية، وشملت هذه الأضرار المحركات والضواغط وآلات الإنتاج، فضلا عن المعدات الإعلامية والحواسيب والخوادم، بما يضيف كلفة أخرى إلى الخسائر الناتجة عن توقف النشاط، باعتبار أن إصلاح التجهيزات أو تعويضها يتطلب موارد مالية ووقتا إضافيا قبل استعادة نسق العمل المعتاد.

الصناعة تتحمل النصيب الأكبر

وتكشف تفاصيل تقدير الخسائر المباشرة في القيمة المضافة تفاوت انعكاسات الانقطاعات بين القطاعات الاقتصادية، إذ استحوذت الصناعات المعملية على النصيب الأكبر بقيمة قدرت بـ671,5 مليون دينار، تليها الخدمات المسوقة بـ316,1 مليون دينار، ثم قطاع التجارة بـ282,1 مليون دينار.

وتعكس هذه الأرقام حجم القيمة المضافة التي لم تتمكن المؤسسات من تحقيقها بسبب توقف أنشطتها، غير أنها لا تمثل الحصيلة الكاملة للأضرار الاقتصادية، إذ لم تشمل التقديرات الخسائر المادية التي لحقت بالتجهيزات، أو خسارة الحرفاء، أو الخطايا المحتملة نتيجة عدم احترام الالتزامات التعاقدية وآجال التسليم.

وتظهر تداعيات الانقطاعات كذلك في علاقة المؤسسات التونسية بالأسواق الخارجية، حيث صرحت 29,4 بالمائة من المؤسسات المصدرة بأنها لم تتمكن من احترام آجال التسليم، وهو ما عرضها إلى مخاطر الخطايا أو خسارة بعض الحرفاء، في حين لجأت 8,3 بالمائة من المؤسسات المصدرة إلى المناولة أو التوريد لتدارك الاضطرابات والمحافظة على تنفيذ التزاماتها.

ويكتسي هذا المؤشر أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصناعية التي ترتبط بعقود توريد وتلتزم بآجال محددة مع شركائها بالخارج، إذ لا يقتصر أثر الانقطاع على كمية الإنتاج التي لم يقع تصنيعها، وإنما يمكن أن يمتد إلى انتظام العلاقة التجارية وثقة الحرفاء في قدرة المؤسسة على احترام مواعيدها، بما قد ينعكس على فرصها في المحافظة على الأسواق والظفر بطلبات جديدة.

الاستثمار تحت ضغط الطاقة

ولم تقتصر نتائج الاستبيان على قياس الخسائر التي تكبدتها المؤسسات خلال الصيف، بل كشفت أيضا عن انعكاس الاضطرابات الكهربائية على قراراتها الاستثمارية خلال الفترة المقبلة، إذ صرحت 51,9 بالمائة من المؤسسات المستجوبة بأنها أجلت مشاريع استثمارية، في مقابل توجه عدد متزايد منها إلى تخصيص موارد مالية لتأمين التزود بالكهرباء وتجنب تكرار توقف النشاط.

وفي هذا الإطار، أفادت 74 بالمائة من المؤسسات بأنها تعتزم الاستثمار خلال الاثني عشر شهرا المقبلة في حلول وتجهيزات بديلة أو احتياطية، من بينها المولدات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات وغيرها من المعدات التي تسمح بتوفير مصدر إضافي للطاقة عند انقطاع التيار.

ويطرح هذا التوجه مسألة توزيع الموارد المالية داخل المؤسسات، إذ يمكن أن تتحول الاستثمارات المخصصة لتأمين الكهرباء إلى نفقات إضافية لم تكن مدرجة ضمن البرامج الأصلية، وتنافس بذلك المشاريع التي تستهدف توسيع الطاقة الإنتاجية أو تحديث التجهيزات أو تطوير أساليب العمل، وهو ما قد يؤثر في قدرة المؤسسات على تحسين إنتاجيتها وتعزيز تنافسيتها.

كما تختلف قدرة المؤسسات على اعتماد حلول بديلة بحسب حجمها وطبيعة نشاطها وإمكاناتها التمويلية، إذ لا تمثل كلفة اقتناء مولدات كهربائية أو تجهيزات شمسية أو بطاريات العبء نفسه بالنسبة إلى مؤسسة صناعية كبرى ومؤسسة صغيرة أو متوسطة، فضلا عن اختلاف حاجيات كل نشاط من الطاقة والقدرات الفنية اللازمة لضمان استمرارية التزود.

وفي المقابل، لم تكشف نتائج الاستبيان عن حصول أي مؤسسة مستجوبة على تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الانقطاعات الكهربائية، بينما صرحت نسبة 1 بالمائة من المؤسسات بأن لديها مطالب تعويض ما تزال قيد الدرس أو تم رفضها.

Related posts

شركة الفولاذ تنتدب 161 عون تنفيذ من حاملي شهادة مؤهل تقني مهني

Na Da

البنك المركزي: ترويج معلومات مغلوطة حول أسعار صرف الدينار التونسي

تراجع الصادرات بنسبة 6.5 بالمائة