صابر الحرشاني
تتجه الأنظار إلى الاستحقاق المرتقب لاختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة، في لحظة تبدو فيها المنظمة أمام اختبار غير مسبوق لمدى قدرتها على الحفاظ على دورها ومكانتها في النظام الدولي.
وبعد عقود من تقديم نفسها كمنصة جامعة لإدارة الأزمات وتعزيز السلم والأمن الدوليين، تواجه اليوم انتقادات متزايدة بشأن محدودية تأثيرها وتراجع قدرتها على الفعل في عالم يتسم بتعقيد متزايد وتوازنات متحولة.
تحولات عميقة
يرتبط هذا التراجع بجملة من العوامل المتداخلة، لعل أبرزها التحولات العميقة في بنية النظام الدولي، فقد انتقل العالم تدريجيا من مرحلة أحادية القطبية إلى واقع أكثر تعددية، تتنافس فيه قوى كبرى على النفوذ بشكل مفتوح، وهو ما انعكس مباشرة على أداء المنظمة، ففي ظل هذا التنافس، أصبحت القرارات الدولية رهينة حسابات سياسية ضيقة، خاصة داخل مجلس الأمن، حيث تعطل آلية الفيتو في كثير من الأحيان.
ولا يعد هذا الشلل النسبي في مجلس الأمن مسألة تقنية بقدر ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة التوازنات الدولية. فالدول دائمة العضوية، التي يفترض أن تتحمل مسؤولية خاصة في حفظ السلم والأمن، تجد نفسها في مواقع متعارضة، ما يجعل التوافق بينها أمرا صعب المنال. ونتيجة لذلك، تتحول العديد من الأزمات إلى ملفات عالقة، تكتفي فيها المنظمة ببيانات القلق والدعوات إلى التهدئة دون القدرة على فرض حلول أو حتى دفع الأطراف نحو تسويات جدية.
فقدان الاليات
و إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر يتمثل في تآكل مفهوم التعددية نفسه، الذي قامت عليه الأمم المتحدة منذ تأسيسها. فخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت النزعات الأحادية لدى عدد من الدول، التي باتت تفضل التحرك خارج الأطر الجماعية، سواء عبر تحالفات محدودة أو مبادرات منفردة.
وهذا التوجه أضعف من دور المنظمة كإطار جامع، وأفقدها جزءا من قدرتها على تنسيق الجهود الدولية.
كما أن الأزمات العالمية المتلاحقة كشفت عن محدودية أدوات الأمم المتحدة في التعامل مع تحديات معقدة ومتداخلة، فمن النزاعات المسلحة الممتدة، إلى الأزمات الإنسانية، وصولا إلى التحديات البيئية والصحية، تجد المنظمة نفسها أمام ملفات تتجاوز في كثير من الأحيان قدراتها التنفيذية.
ورغم ما تبذله من جهود على مستوى الإغاثة أو التنسيق، فإن تأثيرها يظل محدودا مقارنة بحجم التحديات.
الاموال وسيلة ضغط
ولا يمكن إغفال البعد المالي في تفسير هذا التراجع. فالمنظمة تعتمد بشكل كبير على مساهمات الدول الأعضاء، وهو ما يجعلها عرضة لضغوط سياسية ومالية في آن واحد. وقد شهدت السنوات الماضية تأخرا في سداد بعض المساهمات، إلى جانب تقليص في التمويلات المخصصة لبرامج معينة، ما أثر على قدرتها التشغيلية، حيث يطرح هذا الوضع تساؤلات حول استقلالية المنظمة، ومدى قدرتها على اتخاذ مواقف حازمة دون مراعاة مصالح الممولين.
ومن جهة أخرى، تواجه الأمم المتحدة تحديات تتعلق بفعاليتها الداخلية، حيث تتعرض أجهزتها أحيانا لانتقادات بشأن البيروقراطية وتعقيد الإجراءات. فبطء اتخاذ القرار، وتعدد الهياكل، وصعوبة التنسيق بين الوكالات المختلفة، كلها عوامل تحد من سرعة الاستجابة وتقلص من نجاعة التدخلات.
كما أن الفجوة بين الخطاب والممارسة تشكل عاملا مهما في تآكل الثقة بالمنظمة، فبينما ترفع الأمم المتحدة شعارات تتعلق بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، يشير منتقدوها إلى حالات لم تتمكن فيها من منع انتهاكات جسيمة أو التعامل معها بالشكل المطلوب.
ويضاف إلى ذلك تغير طبيعة الفاعلين في الساحة الدولية، فالدول لم تعد وحدها المؤثرة، بل برزت جهات أخرى مثل الشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات غير الحكومية، وحتى الفاعلين غير الرسميين. هذا التنوع في الفاعلين خلق واقعا جديدا يصعب على منظمة تقليدية مثل الأمم المتحدة مواكبته بنفس الأدوات والآليات التي نشأت في سياق تاريخي مختلف.
وفي السياق ذاته، تلعب وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دورا في تشكيل صورة المنظمة، حيث يتم تسليط الضوء بشكل أكبر على إخفاقاتها مقارنة بنجاحاتها. فالأزمات التي تفشل في احتوائها تحظى بتغطية واسعة، في حين تمر إنجازاتها في مجالات أقل إثارة للاهتمام دون نفس القدر من الاهتمام. هذا التفاوت في التغطية يساهم في ترسيخ انطباع عام بتراجع الدور.
كما أن بعض الأزمات كشفت عن محدودية قدرة المنظمة على فرض قراراتها حتى عندما يتم التوافق عليها.
غياب اليات تنفيذ
ويعد غياب آليات تنفيذية قوية عاملا لجعل الكثير من القرارات الدولية رهينة التزام الدول، الذي قد يكون انتقائيا أو مشروطا، و يعكس هذا الواقع طبيعة الأمم المتحدة كمنظمة تقوم على إرادة الدول الأعضاء.
وتبرز أيضا مسألة ازدواجية المعايير كأحد الانتقادات المتكررة، حيث يُنظر إلى تعامل المنظمة مع بعض القضايا على أنه يخضع لتوازنات سياسية أكثر من استناده إلى مبادئ ثابتة، وهذا الانطباع، سواء كان دقيقا أو مبالغا فيه، يؤثر على صورتها ويضعف من ثقة الدول والشعوب في حيادها.
في ضوء كل هذه العوامل، يبدو أن تراجع نفوذ الأمم المتحدة ليس نتيجة سبب واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين تحولات دولية، وإكراهات داخلية، وتحديات مستجدة. فالمنظمة التي تأسست في سياق تاريخي معين، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف يتطلب أدوات ومرونة أكبر مما هو متاح لها حاليا.
ومع اقتراب موعد اختيار أمين عام جديد، تتجه الأنظار إلى الشخص الذي سيتولى قيادة المنظمة في هذه المرحلة الحساسة، غير أن التحدي لا يرتبط فقط بالقيادة، بل بالبيئة الدولية التي ستعمل فيها، وبمدى استعداد الدول الأعضاء لدعم دور المنظمة أو الاكتفاء باستخدامها كمنبر دبلوماسي.
في النهاية، يمكن القول إن الأمم المتحدة تقف اليوم عند مفترق طرق، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الخارجية، لتطرح تساؤلات جدية حول مستقبلها ودورها، وبينما تستمر في أداء مهامها في مجالات عدة، فإن صورتها كفاعل مركزي في إدارة الشأن الدولي تبدو أقل وضوحا مما كانت عليه في فترات سابقة.
