صابر الحرشاني
دخل الأمر الصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 23 جويلية 2026 حيز التنفيذ، واضعا إطارا جديدا لتمويل ما يعرف بقروض الشرف الموجهة للاستهلاك والمؤسسات الصغرى و المتوسطة و الشركات الاهلية.
ويقوم النظام الجديد على تخصيص نسبة تعادل 8 بالمائة من الأرباح الصافية السنوية للبنوك لتمويل هذه القروض، و التي تمنح دون فوائد ودون اشتراط ضمانات عينية أو شخصية، بهدف تمكين فئات واسعة من النفاذ إلى التمويل وإطلاق مشاريع اقتصادية.
وتأتي هذه الآلية تنفيذا لفصول القانون المتعلق بمنظومة الشيكات و في وقت تتواصل فيه الصعوبات التي يواجهها عدد كبير من أصحاب المبادرات في الحصول على التمويل البنكي التقليدي بسبب اشتراط الضمانات أو ارتفاع كلفة الاقتراض، وهو ما جعل قروض الشرف تحظى باهتمام واسع باعتبارها أداة تستهدف تشجيع بعث المؤسسات الصغرى وتحسين فرص التشغيل.
وتسند القروض وفق شروط وضوابط يحددها النصوص التطبيقية والهياكل المشرفة، مع توجيهها أساسا إلى المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والقابلة للحياة، بما يسمح بإيجاد مصادر دخل جديدة ودفع الاستثمار المحلي، خاصة في الجهات التي تعاني نسب بطالة مرتفعة.
فتح أبواب المبادرة
و لاقى القرار ترحيبا من شريحة واسعة من الرأي العام ومن المهتمين بريادة الأعمال، الذين اعتبروا أن الإجراء يمثل فرصة حقيقية لمعالجة واحدة من أبرز العقبات التي تواجه الشباب، والمتمثلة في صعوبة الحصول على التمويل.
ويرى أنصار الآلية الجديدة أن البنوك حققت خلال السنوات الأخيرة أرباحا مرتفعة، وأن تخصيص جزء محدود منها لتمويل المبادرات الاقتصادية يندرج ضمن دورها في الإسهام في التنمية الوطنية، خاصة وأن نجاح المشاريع الجديدة من شأنه أن يخلق مواطن شغل ويوسع القاعدة الاقتصادية ويرفع مستقبلا حجم النشاط البنكي نفسه.
ويضيف المؤيدون أن اعتماد قروض دون فوائد يخفف العبء المالي عن أصحاب المشاريع في سنوات الانطلاق، وهي المرحلة التي تشهد عادة أعلى نسب التعثر، كما أن غياب الضمانات يسمح لفئات لم تكن قادرة على الولوج إلى التمويل بالدخول إلى عالم المبادرة الخاصة.
ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن نجاح التجربة يبقى رهينا بحسن اختيار المشاريع، والإحاطة الفنية بالمستفيدين، والمتابعة المستمرة بعد صرف التمويل، بما يرفع نسب النجاح ويحد من حالات الفشل.
مخاطر على الأرباح والثقة والاستثمار
و في المقابل، أثار الأمر الجديد تحفظات لدى عدد من الاقتصاديين والفاعلين في السوق المالية، الذين يرون أن إلزام البنوك بتخصيص نسبة من أرباحها لفائدة آلية محددة يمثل تغيرا جوهريا في قواعد النشاط البنكي، وقد تكون له انعكاسات على أداء القطاع.
ومن بين أبرز الأصوات التي عبرت عن هذا التوجه الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، الذي اعتبر أن التطورات الأخيرة في بورصة تونس عكست مخاوف المستثمرين من تأثير المرسوم على مردودية البنوك وآفاقها المالية.
ويشير هذا الرأي إلى أن البنوك كانت خلال السنوات الأخيرة تحقق جزءا مهما من أرباحها من خلال تمويل الدولة عبر الاكتتاب في رقاع الخزينة، وهو ما ساهم في تسجيل نتائج مالية قوية انعكست بدورها على أسعار أسهمها في البورصة.
ويرى أصحاب هذا التوجه أن تخصيص 8 بالمائة من الأرباح لقروض تمنح دون فوائد ودون ضمانات قد يدفع البنوك مستقبلا إلى تكوين مخصصات إضافية إذا ارتفعت نسب التعثر في السداد، وهو ما قد يقلص الأرباح الموزعة على المساهمين ويؤثر في تقييم الأسهم البنكية داخل السوق.
كما يحذر عدد من المحللين من احتمال تشدد البنوك في منح القروض التقليدية للمؤسسات والأفراد بهدف الحد من المخاطر والمحافظة على توازناتها المالية، وهو ما قد ينعكس على الاستثمار الخاص إذا لم ترافق الآلية الجديدة إصلاحات أوسع لتحسين مناخ الأعمال.
ويربط بعض الخبراء أيضا بين تراجع أسهم عدد من البنوك في بورصة تونس بعد الإعلان عن المرسوم وبين إعادة تقييم المستثمرين لتوقعاتهم بشأن أرباح القطاع خلال السنوات المقبلة، معتبرين أن الأسواق المالية تتفاعل عادة مع أي تعديل قد يؤثر في ربحية الشركات المدرجة.
نجاح رهين التنفيذ
و يرى مراقبون أن تقييم الآلية الجديدة لا يمكن أن يتم من خلال ردود فعل الأسواق المالية وحدها أو من خلال الترحيب بها، وإنما من خلال نتائجها الفعلية على أرض الواقع خلال السنوات القادمة.
فإذا نجحت قروض الشرف في تمويل مشاريع قادرة على الاستمرار وخلق الثروة ومواطن الشغل، مع المحافظة على نسب استخلاص مرتفعة، فإنها قد تتحول إلى أداة تمويل فعالة تدعم الاقتصاد الوطني وتوسع قاعدة المبادرة الخاصة.
أما إذا ارتفعت نسب التعثر وضعفت المتابعة والمرافقة الفنية للمستفيدين، فقد تجد البنوك نفسها أمام أعباء مالية إضافية، وهو ما قد ينعكس على سياساتها الائتمانية وعلى ثقة المستثمرين في القطاع.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى نجاح التجربة مرتبطا بقدرة مختلف المتدخلين على تحقيق توازن بين الهدف الاجتماعي المتمثل في دعم الشباب وتمويل المبادرة الخاصة، وبين المحافظة على سلامة المنظومة البنكية واستقرارها المالي، باعتبار أن هذين البعدين يمثلان عنصرين متكاملين في دعم النمو الاقتصادي.
