صابر الحرشاني
رغم تقديم التعاون الإسباني المغربي في ملف الهجرة خلال السنوات الأخيرة باعتباره نموذجا للشراكة الأمنية والسياسية بين بلدين متجاورين، فإن موجة الوصول الكبيرة للمهاجرين إلى مدينة سبتة المحتلة أعادت طرح أسئلة حول قدرة هذا النظام على الصمود. فقد أظهرت الأحداث أن التفاهمات القائمة بين مدريد والرباط، رغم تطورها وتعدد مستوياتها، تبقى مرتبطة بدرجة كبيرة بالتنسيق السياسي والظروف الإقليمية المتغيرة.
خلال ساعات قليلة، شهدت سبتة وصول أعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من الأراضي المغربية، بينهم عائلات وشباب حاولوا عبور الحدود بطرق مختلفة، من بينها السباحة أو السير عبر المناطق القريبة من المعابر. وأثارت هذه التطورات حالة استنفار لدى السلطات الإسبانية التي سارعت إلى تعزيز وجودها الأمني والتعامل مع تدفق الوافدين.
ورغم أن تقارير إعلامية إسبانية تحدثت عن تخفيف مؤقت للإجراءات على الجانب المغربي، فإن مدريد تجنبت توجيه انتقادات مباشرة إلى الرباط، واختارت الحفاظ على خطاب يؤكد أهمية التعاون بين البلدين. فقد أصبح ملف الهجرة خلال السنوات الماضية أحد أبرز عناصر العلاقة الثنائية، حيث تعتمد إسبانيا بشكل كبير على التنسيق مع المغرب للحد من محاولات العبور غير النظامي نحو أراضيها.
تعاون متعدد الاوجه
لا تقوم العلاقة بين مدريد والرباط في مجال الهجرة على اتفاق واحد محدد، بل على مجموعة من التفاهمات والآليات الأمنية والإدارية التي تطورت تدريجيا. وتشمل هذه الآليات مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات، ومكافحة شبكات تهريب البشر، إضافة إلى عمليات إعادة المهاجرين الذين يتم توقيفهم بعد عبور الحدود.
ومنذ التقارب السياسي الذي شهدته العلاقات بين البلدين عام 2023، بعد إنهاء أزمة دبلوماسية استمرت أشهرا بسبب قضية الصحراء الغربية، حرص الطرفان على تقديم التعاون في ملف الهجرة باعتباره أحد مؤشرات عودة الثقة. وأكد المسؤولون الإسبان حينها أن التنسيق مع المغرب أصبح أكثر استقرارا وفعالية.
لكن أحداث سبتة أظهرت أن هذا الاستقرار يبقى نسبيا، إذ يمكن لأي توتر سياسي أو تغير في حسابات الطرفين أن يؤثر بسرعة على حركة الهجرة. فالمغرب، من جهته، يدير ملفا معقدا بسبب موقعه الجغرافي الذي يجعله منطقة عبور للمهاجرين القادمين من دول إفريقية عديدة، بينما تنظر إسبانيا إلى حدودها الجنوبية باعتبارها بوابة الاتحاد الأوروبي.
ورقة ضغط سياسية
لطالما ارتبط ملف الهجرة في العلاقات الأوروبية المغربية بعوامل تتجاوز الجانب الأمني. فالمغرب يدرك أهمية موقعه الاستراتيجي بالنسبة للاتحاد الأوروبي، ويستخدم التعاون في مراقبة الحدود باعتباره عنصرا أساسيا في علاقاته مع بروكسل والعواصم الأوروبية.
في المقابل، ترى إسبانيا أن استقرار الوضع في مدينتي سبتة ومليلية، الخاضعتين للإدارة الإسبانية والواقعتين على الساحل المغربي، مرتبط بشكل مباشر بقدرة الرباط على ضبط الحدود ومنع محاولات العبور الجماعي.
وقد سبق أن شهدت العلاقات بين الطرفين أزمات بسبب هذا الملف، كان أبرزها التدفق الكبير للمهاجرين نحو سبتة في ماي 2021، عندما عبر آلاف الأشخاص الحدود في فترة قصيرة، في سياق توتر دبلوماسي بين البلدين. وأظهرت تلك الأزمة آنذاك أن التعاون في مجال الهجرة يمكن أن يتأثر بسرعة بالخلافات السياسية.
حدود النموذج الأمني
رغم الاستثمارات الكبيرة في المراقبة الحدودية والتعاون الأمني، فإن التجربة أثبتت أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة ظاهرة الهجرة. فالعوامل التي تدفع آلاف الأشخاص إلى محاولة الوصول إلى أوروبا ترتبط بالفقر، وعدم الاستقرار، والنزاعات، والبحث عن فرص اقتصادية أفضل.
كما أن الضغط المستمر على الحدود الإسبانية يعكس تحولا في طبيعة الهجرة، إذ لم تعد تقتصر على محاولات فردية، بل أصبحت أحيانا تتحول إلى تحركات جماعية تضم عائلات وأطفالا، ما يضع السلطات أمام تحديات إنسانية وقانونية إلى جانب التحديات الأمنية.
ويرى عدد من الخبراء أن الاتفاقات الثنائية، مهما كانت متقدمة، لا يمكن أن تكون حلا دائما إذا لم ترافقها سياسات تنموية في دول المصدر، ومسارات قانونية للهجرة، وتعاون أوسع بين دول شمال إفريقيا والاتحاد الأوروبي.
شراكة ضرورية لكنها هشة
تكشف أزمة سبتة أن التعاون الإسباني المغربي في ملف الهجرة حقق نتائج مهمة خلال السنوات الماضية، لكنه لم يتحول إلى نظام مستقل عن الظروف السياسية. فنجاحه يبقى مرتبطا باستمرار التفاهم بين الطرفين وبوجود مصالح مشتركة تدفعهما إلى الحفاظ على التنسيق.
وبالنسبة لإسبانيا، يظل المغرب شريكا أساسيا في إدارة حدودها الجنوبية، بينما تعتبر الرباط أن تعاونها في هذا المجال يمنحها موقعا تفاوضيا مهما مع أوروبا. لكن الأحداث الأخيرة تؤكد أن هذا التوازن يمكن أن يهتز في أي وقت، وأن ملف الهجرة سيظل من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين.
فالأزمة لم تكشف فقط حجم الضغط على حدود سبتة، بل كشفت أيضا أن الاتفاقات السياسية، مهما بدت قوية، تبقى معرضة للاختبار عندما تتغير الظروف أو تتبدل الحسابات.
