بقلم صابر الحرشاني
يحلّ اليوم الوطني للمرأة التونسية هذه السنة في ظرف خاص، إذ تمرّ سبعون سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956، وهي المناسبة التي ارتبط بها هذا اليوم منذ عقود.
وبين الاحتفال بما تحقق واستحضار أسماء نسائية تركت بصماتها في تاريخ البلاد، تطرح ذكرى هذا العام أيضا أسئلة الحاضر و اولها إلى أي مدى تحولت الحقوق القانونية إلى مساواة فعلية؟
وتتزامن الذكرى السبعون مع برنامج وطني واسع أعدته وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، امتد من 6 إلى 13 أوت وشمل مختلف ولايات الجمهورية. ومن أبرز محطاته إطلاق “المبادرة الوطنية لتوحيد مسار ريادة الأعمال النسائية من الفكرة إلى ما بعد الإنجاز” يوم 10 أوت، وتنظيم تظاهرة “ناجحات ببلادي” يوم 11 أوت، وإسناد جائزة أفضل بحث علمي نسائي لسنة 2026، وتنظيم معارض للمنتوجات النسائية، ثم إطلاق المنصة الوطنية لتسويق هذه المنتوجات يوم 12 أوت.
وفي اليوم نفسه، احتفى مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة “كريديف” بالذكرى من خلال إسناد الجائزة الوطنية “زبيدة بشير” للكتابات النسائية التونسية لسنة 2025. وتحصلت فتحية الهاشمي وشريفة البدري مناصفة على جائزة الإبداع الأدبي باللغة العربية، وفازت بسمة عمراني بجائزة الإبداع الأدبي باللغة الفرنسية، فيما أسندت جائزة أحسن سيناريو إلى أحلام الحكيمي عن “حكاية قمرة”، وحجبت جائزتا البحث العلمي باللغتين العربية والفرنسية, كما تم تكريم أربع تونسيات عن مساراتهن في الطب والطيران المدني وريادة الأعمال والفن.
وكان لافتا في الاحتفالية إصدار ديوان «طائر الفينيق» للشاعرة الراحلة زبيدة بشير بطريقة برايل، مع تسليم نسختين منه إلى طالبتين كفيفتين، إلى جانب تنظيم معرض توثيقي حول مجلة الأحوال الشخصية بالشراكة مع دار الكتب الوطنية ومركز التوثيق الوطني. وهكذا جمعت المناسبة بين استعادة الذاكرة وتكريم نساء الحاضر وإتاحة الثقافة لمن كانت الإعاقة البصرية تحول دون وصولها إليها.
وقد كشفت جمعية «أصوات نساء» عن تقريرها السنوي حول جرائم تقتيل النساء لسنة 2025، وأعلنت إطلاق منصة إلكترونية لتوثيق هذه الجرائم, مؤكدة أن غياب إحصائيات رسمية شاملة جعل عملية الرصد تعتمد على المعطيات المتاحة في الإعلام ومصادر المجتمع المدني.
ودعت الجمعية إلى اعتماد جريمة تقتيل النساء كجريمة مستقلة في المجلة الجزائية، وإدراج مفهوم السيطرة أو «الإمبرايز» وتعزيز تدابير الحماية المنصوص عليها في القانون عدد 58 لسنة 2017.
ويكشف التقرير أن ظاهرة العنف القاتل ضد النساء لا تزال من أكثر الملفات التي تختبر مدى قدرة التشريع على حماية الحقوق التي تحتفي بها البلاد في 13 أوت. وقد رُصدت الجرائم في 14 ولاية خلال سنة 2025، مع تسجيل حضور لافت لولايات داخلية مثل قفصة والقيروان، إلى جانب أريانة ومنوبة، كما أظهرت المعطيات تنوع طرق ارتكاب الجرائم.
أما الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فقد اختارت في بيانها الصادر اليوم 13 أوت التشديد على أن الذكرى السبعين لا ينبغي أن تقتصر على استعادة تاريخ المجلة، معتبرة أن الحفاظ على مكاسب النساء يقتضي تطوير المنظومة القانونية وإزالة أشكال التمييز وضمان المساواة الفعلية. كما حذرت من أي مراجعة تشريعية تؤدي إلى الانتقاص من الحقوق التي كرستها المجلة، وربطت حقوق النساء بالحريات العامة والكرامة واستقلال القضاء وسيادة القانون.
و لم تولد مجلة الأحوال الشخصية من فراغ، ولم تبدأ قصة تحرر المرأة التونسية سنة 1956، فقد سبقتها حركة إصلاحية وفكرية امتدت عقودا، شارك فيها رجال ونساء من اتجاهات فكرية مختلفة.
وتذكر وزارة الأسرة أن مجلة الأحوال الشخصية جاءت تتويجا لمسار إصلاحي، ثم تواصل تكريس حقوق المرأة في الدستور والتشريعات المتعلقة بالتعليم والعمل والمشاركة السياسية.
وفي 13 أوت 1956 صدر الأمر العلي بإصدار مجلة الأحوال الشخصية، ونشر النص في الرائد الرسمي يوم 17 أوت، ودخلت أحكامه حيز التطبيق بداية من غرة جانفي 1957. ومن أبرز ما جاءت به المجلة منع تعدد الزوجات، وإخضاع الطلاق للقضاء، واشتراط رضا الزوجين في الزواج، ووضع سن أدنى للزواج، وتنظيم العلاقات الأسرية على أساس قانوني واضح.
ولا يمكن اختزال هذا المسار في شخص واحد، رغم الدور السياسي الحاسم الذي لعبه الحبيب بورقيبة في دفع الإصلاح وإصداره في مرحلة تأسيس الدولة الوطنية، فقد سبق ذلك نقاش إصلاحي طويل حول تعليم المرأة ومكانتها داخل الأسرة والمجتمع، وبرزت فيه أسماء من المدرسة الزيتونية ومن التيار الإصلاحي، ثم ظهرت نساء تولين بأنفسهن الدفاع عن قضايا النساء وتنظيم العمل النسائي.
نساء سبَقن المجلة
من أبرز تلك الأسماء بشيرة بن مراد، التي أسست سنة 1936 الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي. وكانت تجربتها مرتبطة أيضا بالحركة الوطنية ومساندة عائلات المعتقلين، لتقدم نموذجا لامرأة جمعت بين العمل الاجتماعي والدفاع عن المرأة والمشاركة في القضية الوطنية.
وتبرز كذلك توحيدة بن الشيخ، التي أصبحت رمزا للمرأة التونسية التي اقتحمت التعليم العالي والمهن العلمية في وقت كانت فيه الطريق أمام الفتيات أكثر صعوبة. ولم يكن حضورها مرتبطا بالطب وحده، بل مثّل وصول امرأة تونسية إلى أعلى مستويات التعليم نموذجا عمليا لما يمكن أن يحققه تعليم البنات.
ومن الأسماء التي لا يمكن تجاوزها راضية الحداد، التي كانت من مؤسسات الاتحاد القومي النسائي التونسي وتولت رئاسته لسنوات، ثم أصبحت أول تونسية تفوز بعضوية البرلمان سنة 1959. وتكمن أهمية تجربتها أيضا في أنها لم تبق أسيرة الدور الجمعياتي، بل دخلت الحياة السياسية ومارست العمل البرلماني، ثم اتخذت مواقف مستقلة أدت إلى صدامها مع السلطة في بداية السبعينات. ويوثق «كريديف» انتخابها لثلاث دورات بمجلس الأمة وانتخابها سنة 1969 نائبة أولى لرئيس المجلس.
وتبقى درة بوزيد من أبرز الوجوه التي ربطت الصحافة بقضية تحرير المرأة. فقد كانت من الأصوات النسائية التي رافقت النقاش حول الإصلاح، وكتبت في خمسينات القرن الماضي دفاعا عن استقلالية المرأة وحقها في أن تكون فاعلة في المجتمع.
ولا تقل أهمية أسماء أخرى مثل زبيدة بشير التي حملت الجائزة الوطنية للكتابات النسائية اسمها، وهي الجائزة التي أحدثها «كريديف» سنة 1995 قبل أن ينظم إطارها القانوني لاحقا بالأمر الحكومي عدد 585 لسنة 2020. وتشمل الجائزة الإبداع الأدبي والبحث العلمي والبحث المتعلق بالمرأة والسيناريو.
هذه الأسماء تنتمي إلى تجارب مختلفة، وبعضها اختلف في رؤيته السياسية أو الفكرية، لكن ما يجمعها أن حضورها تجاوز حدود حياتها الشخصية إلى تغيير صورة المرأة في المجال العام: امرأة تتعلم، وتعمل، وتكتب، وتنظم، وتشارك في الحياة الوطنية، وتتحمل المسؤولية.
سبعون سنة.. ماذا بعد؟
الاحتفال بسبعين سنة من مجلة الأحوال الشخصية لا يعني أن ملف المرأة أغلق فقد منح القانون المرأة التونسية موقعا متقدما في عدد من المجالات منذ منتصف القرن الماضي، ثم شهدت المجلة نفسها تنقيحات مهمة، أبرزها تنقيح 12 جويلية 1993 الذي شمل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والولاية على الأبناء والشراكة في الأموال، كما أقر تنقيح سنة 2006 حق زيارة الأجداد في صورة وفاة أحد الوالدين.
لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن المسافة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي لا تزال قائمة، فالعنف ضد النساء، والهشاشة الاقتصادية، وصعوبات النفاذ إلى العمل والتمويل، والتفاوت بين المناطق، كلها ملفات تعود إلى الواجهة في كل مناسبة وطنية تتعلق بالمرأة.
ولهذا اكتسب برنامج 2026 دلالة تتجاوز الاحتفال، فإطلاق مسار موحد لريادة الأعمال النسائية يوم 10 أوت، وتنظيم «ناجحات ببلادي»، ثم إطلاق منصة لتسويق المنتوجات النسائية، تعكس انتقالا من الحديث عن الحقوق القانونية إلى التركيز على الاستقلال الاقتصادي والقدرة على تحويل العمل النسائي إلى مورد دخل ومشروع قابل للاستمرار.
وفي الاتجاه نفسه، جاءت جائزة أفضل بحث علمي نسائي لسنة 2026 حول «ابتكارات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن المائي والغذائي»، لتضع المرأة الباحثة داخل ملفات تونس الكبرى، من الأمن المائي إلى الغذاء والتكنولوجيا، بدل حصر حضورها في القضايا المصنفة تقليديا ضمن «شؤون المرأة».
ويبقى التحدي الأكبر في أن تتقاطع هذه المسارات: حماية قانونية فعالة، استقلال اقتصادي، تعليم جيد، حضور في مواقع القرار، وحماية فعلية من العنف. فالاحتفال بإنجازات الماضي يصبح أكثر معنى حين تتحول الحقوق المكتوبة إلى حياة يومية أكثر أمنا واستقلالا للنساء.
