قطاع الفوسفاط…نحتاح خطوات مشابهة للتي اتخذتها الجزائر


بقلم صابر الحرشاني
تضع الخطوة الجزائرية الجديدة في مجال الفوسفاط بلادنا أمام مرآة اقتصادية صريحة، حيث اختارت الجارة الغربية الانتقال إلى مرحلة التنفيذ في مشروع الفوسفاط المدمج، ووقعت عقودا مع شركات دولية كبرى لإنجاز مكونات صناعية ومينائية للمشروع. وتكشف هذه الخطوة عن تصور يبدأ باستخراج الفوسفات، ثم تحويله، ثم إنتاج الأسمدة، ثم تصديره ضمن منظومة صناعية متكاملة.
ويستحق هذا التحرك الجزائري اهتماما خاصا في تونس، خصوصا أن بلادنا تمتلك تاريخا طويلا مع الفوسفاط واحتياطات مهمة، وخبرة بشرية وصناعية تراكمت على مدى أكثر من قرن.
وتملك تونس فرصة حقيقية لإعادة بناء هذه الصناعة على أسس جديدة، لكنها تحتاج إلى رؤية تتجاوز استعادة أرقام الإنتاج القديمة.

الحاجة مشروع جديد

و احتل الفوسفات لعقود موقعا مركزيا في الاقتصاد التونسي، وأنتجت شركة فسفاط قفصة أكثر من 8 ملايين طن سنة 2010، قبل أن ينحدر الإنتاج خلال السنوات التالية إلى مستويات أدنى بكثير.
وتراكمت خلال الفترة نفسها مشاكل النقل وتعطل الإنتاج والاحتجاجات الاجتماعية وتراجع الاستثمار في المنشآت والمعدات.
وتملك بلادنا احتياطات تقدر بنحو 2.5 مليار طن، ما يمنح الصناعة الفوسفاطية قاعدة جيولوجية كبيرة يمكن البناء عليها، كما تمتلك البلاد منشآت التحويل الكيميائي في قابس والصخيرة، وموانئ وشبكة نقل وخبرة تقنية تسمح بإعادة إطلاق القطاع ضمن تصور صناعي أشمل.
وأعلنت الحطومة في وقت سابق برنامجا يستهدف رفع إنتاج الفوسفاط إلى 14 مليون طن سنويا في أفق 2030 وفق مخطط التنمية.
ويمثل هذا الهدف خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الاستخراج والنقل والتحويل والطاقة والموانئ حتى يتحول إلى واقع.
وتكشف التجربة الماضية مشكلة جوهرية ذلك ان رفع الإنتاج وحده لا يكفي فكل زيادة في استخراج الخام تحتاج إلى قدرة موازية على تحويله وتسويقه ونقله. وكل تأخير في الاستثمار ينعكس مباشرة على قدرة القطاع على المنافسة.
و تبدو الجزائر بصدد التحرك اتجاه مختلف على مستوى الحجم والطموح، فقد ربطت مشروع الفوسفاط المدمج بين مناطق الاستخراج ومنشآت التحويل والإنتاج ومرافق النقل والميناء. وتستهدف المنظومة إنتاج ملايين الأطنان من الفوسفاط المخصب والأسمدة، مع الاعتماد على شركات دولية تمتلك الخبرة في الهندسة والإنجاز والتكنولوجيا.
وتحمل هذه المقاربة أهمية اقتصادية كبيرة، فالفوسفاط الخام يحقق قيمة محدودة مقارنة بالمنتجات التي تدخل مراحل التحويل الكيميائي وإنتاج الأسمدة. وكل مرحلة إضافية داخل البلاد تعني استثمارات جديدة ومواطن شغل وعائدات تصدير وخبرة صناعية.
وتحتاج بلادنا ايضا إلى التفكير بالطريقة نفسها. حيث يمكنها تطوير مشروع متكامل يربط حوض قفصة بمناطق التحويل في قابس والصخيرة وبالموانئ، مع تحديث السكك الحديدية وتوسيع طاقات الإنتاج وإدخال تقنيات جديدة في معالجة الفوسفات وإنتاج الأسمدة.
وتستطيع الدولة الاستفادة من شركات دولية كبرى في الهندسة والتمويل والتكنولوجيا، كما تستطيع في الوقت نفسه فرض شروط واضحة تتعلق بنقل التكنولوجيا والتكوين ورفع نسبة المكونات المحلية.
وتملك تونس عدة عناصر تساعدها على اقتناص هذه الفرصة: احتياطات كبيرة، خبرة تاريخية، منشآت صناعية قائمة، موقع قريب من الأسواق الأوروبية والمتوسطية، وموارد بشرية تعرف صناعة الفوسفات ومشتقاته.
وتحتاج هذه العناصر إلى قرار استثماري كبير يجمعها داخل مشروع واحد، و ويمكن أن يبدأ ذلك بإعادة هيكلة منظومة الفوسفات، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، ثم فتحها أمام الشراكات الدولية وفق عقود تضمن مصالح الدولة.

Related posts

البنك الإفريقي يتعهد بتقديم 10 مليارات دولار لتعزيز جهود القضاء على الجوع

وزير الإقتصاد والتخطيط يلتقي القائمة بأعمال السفارة الأمريكية

Ra Mzi

مع موفى جويلية: تحقيق فائض في الميزان التجاري الغذائي

Na Da