بعد حادث المزونة…حماية العاملات الفلاحيات متى؟

يعيد الحادث الذي تعرضت له مجموعة من العاملات الفلاحيات أثناء توجههن إلى العمل فجر يوم 12 جوان 2026 بمنطقة المزونة إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات الاجتماعية والاقتصادية حساسية في تونس، وهو ملف ظروف عمل المرأة الفلاحية ووسائل نقلها والحماية الاجتماعية التي تستحقها.

ومع كل مرة يقع فيها حادث مماثل، يتجدد النقاش حول كيفية توفير مناخ عمل أكثر أمنا لهذه الفئة التي تمثل ركيزة أساسية للإنتاج الفلاحي الوطني، والتي تساهم يوميا في مختلف مراحل الزراعة والجني والفرز والتعليب، وتشارك بشكل مباشر في دعم الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي.

ورغم التطور الذي شهده الإطار القانوني خلال السنوات الأخيرة بإصدار المرسوم المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات في أكتوبر 2024، فإن أهمية المرحلة الحالية تكمن في استكمال مختلف الآليات التنفيذية التي تجعل هذه الأحكام واقعا ملموسا تستفيد منه العاملات على امتداد مختلف الجهات. 

النقل… بيت الداء

وتكشف أغلب الحوادث التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية أن مرحلة التنقل من وإلى أماكن العمل تمثل إحدى أكثر المراحل خطورة بالنسبة للعاملات الفلاحيات، حيث يتم العمل في ساعات مبكرة جدا من الصباح أو في أوقات متأخرة من اليوم، وغالبا ما تكون المسافات طويلة بين التجمعات السكنية والضيعات الفلاحية.

ولهذا السبب قد أولى المرسوم المنظم للحماية الاجتماعية أهمية خاصة لمسألة النقل، باعتبارها عنصرا أساسيا في منظومة السلامة المهنية، إذ ينص على آليات تتعلق بتنظيم نقل العاملات وضمان توفر شروط السلامة والكرامة أثناء الرحلات اليومية.

كما نص المرسوم على مساهمة صندوق الحماية الاجتماعية في تغطية جزء من مصاريف النقل، بما يساعد على تطوير منظومة أكثر أمنا واستقرارا.

ومن المؤكد ان تحسين وسائل النقل هو استثمار في حماية الأرواح وتقليص الحوادث والمحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي في المناطق الفلاحية.

وقد جاء نظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات ليقدم تصورا متكاملا لا يقتصر على جانب واحد، وإنما يشمل جملة من الحقوق الاجتماعية، من بينها التغطية الصحية، والتأمين ضد حوادث الشغل، وجرايات الشيخوخة والعجز، إضافة إلى منافع أخرى مرتبطة بالحماية الاجتماعية والإدماج الاقتصادي.

كما نص المرسوم على إنشاء صندوق للحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات بهدف تمويل البرامج والتدخلات المختلفة، بما في ذلك المساهمة في مصاريف النقل ودعم المبادرات الرامية إلى تحسين ظروف العمل والإدماج الاقتصادي. 

و يعكس هذا التوجه وفق مراقبون رؤية تعتبر أن حماية المرأة العاملة في القطاع الفلاحي تبدأ بالوقاية وتقليل عوامل الخطر وتحسين ظروف التنقل والعمل.

تمويل الصندوق ودوره المنتظر

وقد تضمن تضمن قانون المالية لسنة 2025 موارد مخصصة لتمويل صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات، من بينها مساهمات مختلفة مثل معلوم قدره 5 دنانير على كل شهادة فحص فني للمركبات، إلى جانب موارد أخرى حددها القانون, ويهدف هذا التمويل إلى توفير الإمكانيات اللازمة لتنفيذ برامج الحماية الاجتماعية والنقل والإدماج الاقتصادي. 

وتبرز أهمية هذه الموارد في كونها توفر قاعدة مالية تساعد على تنفيذ السياسات الاجتماعية الموجهة لهذه الفئة، بما يضمن استدامة البرامج وعدم ارتباطها بتمويل ظرفي أو محدود.

من النص إلى التطبيق

و تؤكد تجارب العديد من السياسات الاجتماعية أن نجاح أي إصلاح لا يقاس بصدور النصوص فحسب، وإنما بسرعة تحويلها إلى إجراءات عملية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

وفي هذا الإطار، يتطلب تنفيذ منظومة الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات استكمال النصوص الترتيبية والاتفاقيات والإجراءات التنظيمية اللازمة حتى تصبح مختلف الأحكام قابلة للتطبيق على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بتنظيم النقل وآليات التسجيل والانتفاع بالخدمات الاجتماعية.

وكلما تسارعت وتيرة استكمال هذه المنظومة، ازدادت فرص الحد من المخاطر التي تواجهها العاملات أثناء تنقلاتهن اليومية.

ومن الواضح إن حماية العاملات الفلاحيات ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تجمع مختلف المتدخلين من سلطات عمومية وهياكل مهنية ومشغلين ومجتمع مدني، بهدف توفير وسائل نقل مطابقة لشروط السلامة، وتعزيز ثقافة الوقاية، وتطوير منظومة رقابة فعالة.

كما أن تشجيع الاستثمار في وسائل النقل المنظمة والمجهزة يساهم في تحسين صورة القطاع الفلاحي ورفع جاذبيته، خاصة وأن المرأة تمثل نسبة مهمة من اليد العاملة فيه.

لقد أعاد حادث المزونة التذكير بأهمية مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات وترسيخ ثقافة الوقاية قبل وقوع الحوادث لان الغاية الأساسية هي العمل على تقليص أسباب الحوادث من خلال تنظيم النقل وتطوير آليات الحماية وتفعيل مختلف الأحكام القانونية التي وضعت لخدمة هذه الفئة.

حادث صابر الحرشاني

Related posts

رجة أرضية غرب ساقية سيدي يوسف

النقابة الجهوية لأمن مطار تونس قرطاج: نريد تعليمات واضحة للاعوان ونحن مستعدين للقيام بمهامنا على أكمل وجه..

root

قفصة: أصحاب المخابز تلغي اضرابها